Get Adobe Flash player

كلمة اليوم

الخصائص (16)

العربية. عثمان بن جني الموصلي


وعلى ذلك قول الله تعالى ‏{‏لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي‏}‏ أصله‏:‏ لكن أنا ثم خفف فصار لكنَ نَا ثم أجرى غير اللازم مجرى اللازم فأسكن الأول وأدغم في الثاني فصار لكنا‏.‏

وذي ولد لم يلده أبوان لأنه أراد‏:‏ لم يلده فأسكن اللام استثقالاً للكسرة وكانت الدال ساكنة فحركها لالتقاء الساكنين‏.‏

وعليه قولك الآخر‏:‏ ولكنني لم أجْدَ من ذلك بدا أي لم أجِدْ فأسكن الجيم وحرك الدال على ما مضى‏.‏

ومن ذلك حركات الإتباع نحو قوله‏:‏ ضرباً أليما بِسبْت يَلْعَجُ الجلدا وقوله‏:‏ مشتبه الأعلام لمَّاع الخَفَقْ وقوله‏:‏ ‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

لم يُنْظَرْ به الحشكُ وقوله‏:‏ ماء بشرقي سلمى فَيْدُ أو رَكَكُ وقوله‏:‏ وقوله‏:‏ وحامل المينَ بعد المِينَ والألَفِ وأما قول الآخر‏:‏ علمنا أخوالنا بنو عِجِلْ الشغزبي اعتقالا بالرجِلْ فيكون إتباعاً ويكون نقلاً‏.‏

وقول طرفة‏:‏ ‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

ورادا وشقر ينبغي أن يكون إتباعاً يدلك على ذلك أنه تكسير أشقر وشقراء وهذا قد يجيء فيه المعتل اللام نحو قُنْو وعُشْو وظُمْى وعُمْى ولو كان أصله فُعُلا لما جاء في المعتل ألا ترى أن ما كان من تكسير فَعِيل وفَعُول وفَعالِ وفِعالٍ مما لامه معتلة لا يأتي على فُعُل‏.‏

فلذلك لم يقولوا في كِساءِ‏:‏ كُسْوٌ ولا في رِداء‏:‏ رُدْيٌ ولا في صبيّ‏:‏ صُبْوٌ ولا نحو ذلك لأن أصله فُعُل‏.‏

وهي اللغة الحجازية القوية‏.‏

وقد جاء شيء من ذلك شاذاً‏.‏

وهو ما حكاه من قولهم‏:‏ ثنى وثُنٍ‏.‏

وأنشد الفراء‏:‏ فلو ترى فيهن سر العتق بين كماتي وحوبلق فهذا جمع فلو وكلا ذينك شاذ‏:‏ أسلمتموها فباتت غير طاهرة مني الرجال على الفخذين كالموم فكسر منِيّا على مُنْى ولا يقاس عليه‏.‏

وإنما ذكرناه لئلا يجيء به جاءٍ فترى أنه كسر للباب‏.‏

ومن حركات الإتباع قولهم‏:‏ أنا أجوءك وانبؤك وهو مُنْحُدُر من الجبل ومِنْتن ومِغِيرة ونحو من ذلك باب شِعير ورِغيف وبِعير والزِئير والجنة لمن خاف وعيد اللهز وشبهت القاف بالخاء لقربها منها فيما حكاه أبو الحسن من قولهم‏:‏ النِقِيذ كا شبهت الخاء والغين بحروف الفم حتى أخفيت النون معهما في بعض اللغات كما تخفى مع حروف الفم‏.‏

وهذا في فَعيل مما عينه حلقية مطرد‏.‏

وكذلك فَعِل نحو نَغِر ومِحك جئز وضحك و ‏{‏إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ‏}‏‏.‏

وقريب من ذلك الحمدِ للهِ والحمد للهِ وقِتِّلوا وفِتِّحوا وقوله‏:‏ تدافُعَ الشِيبِ ولم تِقِتّل وقوله‏:‏ لا حِطِّبَ القومَ ولا القوم سقى ومن غير اللازم ما أحدثته همزة التذكر نحو ألى وقدى‏.‏

فإذا صلت سقطت نحو الخليل وقد قام‏.‏

ومن قرأ اشتروا الضلالة قال في التذكير‏:‏ اشترووا ومن قرأ‏:‏ اشتروا الضلالة قال في التذكر‏:‏ اشتروى ومن قال اشتروا الضلالة قال في التذكر‏:‏ اشتروا‏.‏

وأما الساكن فعلى ضربين‏:‏ ساكن يمكن تحريكه وساكن لا يمكن تحريكه‏.‏

الأول منهما جميع الحروف إلا الألف الساكنة المدة‏.‏

والثاني هو هذه الألف نحو ألف كتاب وحساب وباع وقام‏.‏

والحرف الساكن الممكن تحريكه على ضربين‏:‏ أحدهما ما يبنى على السكون‏.‏

والآخر ما كان متحركاً ثم أسكن‏.‏

الأول منها يجيء أولاً وحشوا وطرفاً‏.‏

فالأول ما لحقته في الابتداء همزة الوصل‏.‏

وتكون في الفعل نحو انطلق واستخرج واغدودن وفي الأسماء العشرة‏:‏ ابن وابنة وامرئ وامرأة واثنين واثنتين واسم واست وابنم وايمن‏.‏

وفي المصادر نحو انطلاق واستخراج واغديدان وما كان مثله‏.‏

وفي الحروف في لام التعريف نحو الغلام والخليل‏.‏

فهذا حال الحرف الساكن إذا كان أولا‏.‏

وأما كونه حشوا فككاف بكر وعين جعفر ودال يدلف‏.‏

وكونه أخرا في نحو دال قد ولام هل‏.‏

فهذه الحروف الممكن تحريكها إلا أنها مبنية على السكون‏.‏

وأما ما كان متحركاً ثم أسكن فعلى ضربين‏:‏ متصل ومنفصل‏.‏

فالمتصل‏:‏ ما كان ثلاثياً مضموم الثاني أو مكسوره فلك فيه الإسكان تخفيفاً‏.‏

وذلك كقولك في عَلم‏:‏ قد عَلْمَ وفي ظُرف‏:‏ قد ظَرْف وفي رَجُل رَجْل وفي كِبد‏:‏ كبْد‏.‏

وسمعت الشجري وذكر طعنة في كتف فقال‏:‏ رَجْلان من ضَبَّة أخبرانا إنا رأينا رجلا عُريانا وقد جاء هذا فيما كان على أكثر من ثلاثة أحرف قال العجاج‏:‏ فبات منتصباً وما تكردسا وحكى صاحب الكتاب‏:‏ أراك منتفخاً وقالوا في قول العجاج‏:‏ بسَبْحل الدفين عيسجور أراد‏:‏ سِبَحْل فأسكن الباء وحرك الحاء وغير حركة السين‏.‏

وقال أبو عثمان في قول الشاعر‏:‏ هل عرفت الدار أم أنكرتها بين تبراك فشسى عَبَقُرْ أراد‏:‏ عبْقَر فغير كما ترى إلا أنه حرك الساكن وقال غيره‏:‏ أراد‏:‏ عَبَيقُر فحذف الياء كما حذفت من عَرَنْقُضان حتى صارت عَرَقُصانا‏.‏

وكذلك قوله‏:‏ لم يلده أبوان قد جاء فيه التحريك والتسكين جميعاً‏.‏

وكذلك قوله‏:‏ ولكنني لم أجد من ذلكم بدا وقد مضيا آنفا‏.‏

وأما المنفصل فإنه شبه بالمتصل وذلك قراءة بعضهم ‏{‏فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ‏}‏ ‏{‏ فلا تناجوا ‏}‏ فهذا مشبه بدابة وخدل‏.‏

وعليه قراءة بعضهم ‏{‏إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ‏}‏ وذلك أن قوله ‏"‏ تَقِ وَ ‏"‏ ومن يَتَّقْ فإن الله معه ورزق الله مؤتاب وغاد لأن ‏"‏ يَتقِ ف ‏"‏ بوزن عَلِم‏.‏

وأنشد أبو زيد‏:‏ قالت سليمى اشتر لنا سويقا لأن ‏"‏ تَراَ ‏"‏ كعلم‏.‏

ومنها‏:‏ فاحذَرْ ولا تكتَرْ كرِيّا أعوجا وأما ‏{‏ إن الله يأمُرْكم ‏}‏ و ‏{‏ فتوبوا إلى بارئْكم ‏}‏ فرواها القراء عن أبي عمرو بالإسكان ورواها سيبويه بالاختلاس وإن لم يكن كان أزكى فقد كان أذكى ولا كان بحمد الله مُزَنّا برِيبة ولا مغموزاً في رواية‏.‏

لكن قوله‏:‏ فاليوم أشربْ غير مستحْقِب وقوله‏:‏ وقد بدا هَنْكِ من المئزر وقوله‏:‏ سيروا بني العم فالأهوازُ منزلُكم ونهر تيرى ولا تعرفكم العربُ فمسكن كله‏.‏

والوزن شاهد ومصدقه‏.‏

وأما دفع أبي العباس ذلك فمدفوع وغير ذي مرجوع إليه‏.‏

وقد قال أبو علي في ذلك في عدة أماكن من كلامه وقلنا نحن معه ما أيده وشد منه‏.‏

وكذلك قراءة من قرأ ‏{‏ بلى ورُسْلنا لديهم يكتبون ‏}‏ وعلى ذلك قال الراعي‏:‏ تأبى قضاعة أن تعرف لكم نسبا وابنا نزار فأنتم بَيْضة البلد فإنه أسكن المفتوح وقد روى لا تعرف لكم فإذا كان كذلك فهو أسهل لاستثقال الضمة‏.‏

وأما قوله‏:‏ تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها فقد قيل فيه‏:‏ إنه يريد‏:‏ أو يربط على معنى لألزمنه أو يعطيني حقي وقد يكمن عندي أن يكون يرتبط معطوفاً على أرضها أي ما دمت حياً فإني لا أقيم والأول أقوى معنى‏.‏

وأما قول أبي دواد‏:‏ فأبلوني بليَّتَكم لعلي أُصالُحكم وأستدرِجْ نَوَيّا فقد يمكن أن يكون أسكن المضموم تخفيفاً واضطراراً‏.‏

ويمكن أيضاً أن يكون معطوفاً على موضع لعل لأنه مجزوم جواب الأمر كقولك‏:‏ زرني فلن أضيعك حقك وأعطك ألفا أي زرني أعرف حقك وأعطِك ألفا‏.‏

وقد كثر إسكان الياء في موضع النصب كقوله‏:‏ وهو كثير جداً وشبهتت الواو في ذلك بالياء كما شبهت الياء بالألف قال الأخطل‏:‏ إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها نزلن وأنزلن القطين المولدا وقال الآخر‏:‏ فمما سودتني عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب وقول الآخر‏:‏ وأن يعرين إن كسى الجواري فتنبو العين عن كرم عجاف باب في مراجعة الأصل الأقرب دون الأبعد هذا موضع قلما وقع تفصيله‏.‏

وهو معنى يجب أن ينبه عليه ويحرر القول فيه‏.‏

ومن ذلك قولهم في ضمة الذال من قولك‏:‏ ما رأيته مذ اليوم لأنهم يقولون في ذلك‏:‏ إنهم لما حركوها لالتقاء الساكنين لم يكسروها لكنهم ضموها لأن أصلها الضم في منذ‏.‏

وهو هكذا لعمري لكنه الأصل الأقرب ألا ترى أن أول حال هذه الذال أن تكون ساكنة وأنها إنما ضمت لالتقاء الساكنين إتباعاً لضمه الميم‏.‏

فهذا على الحقيقة هو الأصل الأول‏.‏

فأما ضم ذال منذ فإنما هو في الرتبة بعد سكونها الأول المقدر‏.‏

ويدلك على أن حركتها إنما هي لالتقاء الساكنين أنه لما زال التقاؤهما سكنت الذال فلي مذ‏.‏

وهذا واضح‏.‏

فضمتك الذال إذاً من قولهم‏:‏ مذُ اليوم ومذُ الليلة إنما هو رد إلى الأصل الأقرب الذي هو مُنْذُ دون الأبعد المقدر الذي هو سكون الذال في مُنْذُ قبل أن يحرك فيما بعده‏.‏

ولا يستنكر الاعتداد بما لم يخرج إلى اللفظ لأن الدليل إذا قام على شيء كان في حكم الملفوظ به وإن لم يجر على ألسنتهم استعماله ألا ترى إلى قول سيبويه في سودد‏:‏ إنه إنما ظهر تضعيفه لأنه ملحق بما لم يجئ‏.‏

هذا وقد علمنا أن الإلحاق إنما هو صناعة لفظية ومع هذا فلم يظهر ذاك الذي قدره ملحقاً هذا به‏.‏

فلولا أن ما يقوم الدليل عليه مما لم يظهر إلى النطق به بمنزلة الملفوظ به لما ألحقوا سُرْدَدا وسُودَدا بما لم يفوهوا به ولا تجشموا استعماله‏.‏

ومن ذلك قولهم بعت وقلت فهذه معاملة على الأصل الأقرب دون الأبعد ألا ترى أن أصلهما فعل بفتح العين‏:‏ بَيعَ وقَوَل ثم نقلا من فَعَل إلى فِعل وفَعُل ثم قلبت الواو والياء في فعلت ألفاً فالتقى ساكنان‏:‏ العين المعتلة المقلوبة ألفاً ولام الفعل فحذفت العين لالتقائهما فصار التقدير‏:‏ قَلْت وبَعْت ثم نقلت الضمة والكسرة إلى الفاء لأن أصلهما قبل القلب فَعُلت وفَعِلت فصار بِعت وقُلْت‏.‏

فهذا لعمري مراجعة أصل إلا أنه ذلك الأصل الأقرب لا الأبعد ألا ترى أن أول أحوال هذه العين في صيغة المثال إنما هو فتحة العين التي أبدلت منها الضمة والكسرة‏.‏

وهذا ومن ذلك قولهم في مطايا وعطايا‏:‏ إنهما لما أصارتهما الصنعة إلى مطاءا وعطاءا أبدلوا الهمزة على أصل ما في الواحد من اللام وهو الياء في مِطيّة وعطيّة ولعمري إن لاميها ياءان إلا أنك تعلم أن أصل هاتين الياءين واوان كأنهما في الأصل مِطيَوة وعَطيَوة لأنهما من مطوت وعطوت أفلا تراك لم تراجع أصل الياء فيهما وإنما لاحظت ما معك في مطية وعطية من الياءت دون أصلهما الذي هو الواو‏.‏

أفلا ترى إلى هذه المعاملة كيف هي مع الظاهر الأقرب إليك دون الأول الأبعد عنك‏.‏

ففي هذا تقوية لإعمال الثاني من الفعلين لأنه هو الأقرب إليك دون الأبعد عنك‏.‏

فاعرف هذا‏.‏

وليس كذلك صرف ما لا ينصرف ولا إظهار التضعيف لأن هذا هو الأصل الأول على الحقيقة وليس وراءه أصل هذا أدنى إليك منه كما كان فيما أريته قبل‏.‏

فاعرف بهذا ونحوه حال ما يرد عليك مما هو مردود إلى أول وراءه ما هو أسبق رتبة منه وبين ما يرد إلى أول ليست وراءه رتبة متقدمة له‏.‏

باب في مراجعة أصل واستئناف فرع

اعلم أن كل حرف غير منقلب احتجت إلى قلبه فإنك حينئذ ترتجل له فرعً ولست تراجع به من ذلك الألفات غير المنقلبة الواقعة أطرافاً للإلحاق أو للتأنيث أو لغيرهما من الصيغة لا غير‏.‏

فالتي للإلحاق كألف أرطى فيمن قال‏:‏ مأروط وحبنطي ودَلَنظى‏.‏

والتي للتأنيث كألف سكرى وغَضْبَى وجُمَادى‏.‏

والتي للصيغة لا غير كألف ضَبَغْطَرى وقَبَعْثَرى وزِبَعْرًى‏.‏

فمتى احتجت إلى تحريك واحدة من هذه الألفات للتثنية أو الجمع قلبتها ياء فقلت‏:‏ أَرطَيانٍ وحَبَنْطَيانٍ وسكريان وجُمَادَيات وحُبَارَيات وضَبَغْطَرَيان وقبعثريان‏.‏

فهذه الياء فرع مرتجل وليست مراجعاً بها أصل ألا ترى أنه ليس واحدة منها منقلبة أصلاً لا عن ياء ولا غيرها‏.‏

وليست كذلك الألف المنقلبة كألف مغزى ومدعى لأن هذه منقلبة عن ياء منقلبة عن واو في غزوت ودعوت وأصلهما مَغْزَوٌ ومدْعَوٌ فلما وقعت الواو رابعة هكذا قلبت ياء فصارت مَغْزَيٌ ومَدْعَيٌ ثم قلبت الياء ألفاً فصارت مَدْعًى ومَغْزًى فلما احتجت إلى تحريك هذه الألف راجعت بها الأصل الأقرب وهو الياء فصارتا ياء في قولك‏:‏ مغزيان ومدعيان‏.‏

وقد يكون الحرف منقلباً فيضطر إلى قلبه فلا ترده إلى أصله الذي كان منقلباً عنه‏.‏

وذلك قولك في حمراء‏:‏ حمراوي وحمراوات‏.‏

وكذلك صفراوي وصفراوات‏.‏

فتقلب الهمزة واواً وإن كانت منقلبة عن ألف التأنيث كالتي في نحو بشرى وسكرى‏.‏

وكذلك أيضاً إذا نسبت إلى شقاوة فقلت‏:‏ شقاوي‏.‏

فهذه الواو في شقاوي بدل من همزة مقدرة كأنك لما حذفت الهاء فصارت الواو طرفاً أبدلتها همزة فصارت في التقدير إلى شقاء فأبدلت الهمزة واواً فصار شقاوي قالوا إذاً في شقاوي غير الواو في شقاوة‏.‏

ولهذا نظائر في العربية كثيرة‏.‏

ومنها قولهم في الإضافة إلى عدوة‏:‏ عدوي‏.‏

وذلك أنك لما حذفت الهاء حذفت له واو فَعُولة كما حذفت لحذف تاء حنيفة ياءها فصارت في التقدير إلى عَدُوٍ فأبدلت من الضمة كسرة ومن الواو ياء فصارت إلى عَدِيٍ فجرت في ذلك مجرى عَمٍ فأبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألفاً فصارت إلى عَداً كهُدًى فأبدلت من الألف واوا لوقوع ياءي الإضافة بعدها فصارت إلى عَدَوِيّ كهُدَويّ‏.‏

فالواو إذاً في عَدَوِيّ ليست بالواو في عدُوَّة وإنما هي بدل من ألف بدلٍ من ياء بدلٍ من الواو الثانية في عَدُوّة‏.‏فاعرفه‏.‏

باب فيما يراجع من الأصول مما لا يراجع

اعلم أن الأصول المنصرف عنها إلى الفروع على ضربين‏:‏ أحدهما ما إذا احتيج إليه جاز أن يراجع‏.‏

والآخر ما لا تمكن مراجعته لأن العرب انصرفت عنه فلم تستعمله‏.‏

الأول منهما‏:‏ الصرف الذي يفارق الاسم لمشابهته الفعل من وجهين‏.‏

فمتى احتجت إلى صرفه فلتأتينكَ قصائدٌ وليدفعاً جيشاً إليك قوادم الأكوار وهو باب واسع‏.‏

ومنه إجراء المعتل مجرى الصحيح نحو قوله‏:‏ لا بارك الله في الغواني هل يصبحن إلا لهن مطلب وبقية الباب‏.‏

ومنه إظهار التضعيف كلححت عينه وضبب البلد وألِلَ السقاء وقوله‏:‏ الحمد لله العليّ الأجلل وبقية الباب‏.‏

ومنه قوله‏:‏ سماء الإله فوق سبع سمائيا ومنه قوله‏:‏ أهبني التراب فوقه إهبابا وهو كثير‏.‏

الثاني‏:‏ منهما وهو ما لا يراجع من الأصول عند الضرورة‏.‏

وذلك كالثلاثي المعتل العين نحو قام وباع وخاف وهاب وطال‏.‏

فهذا مما لا يراجع أصله أبداً ألا ترى أنه لم يأت عنهم في نثر ولا نظم شيء منه مصححاً نحو قوم ولا بيع ولا خوف ولا هيب ولا طول‏.‏

وكذلك مضارعه نحو يقوم ويبيع ويخاف ويهاب ويطول‏.‏

فأما ما حكاه بعض الكوفيين من قولهم‏:‏ هيؤ الرجل من الهيئة فوجهه أنه خرج مخرج المبالغة فلحق بباب قولهم‏:‏ قضوا الرجل إذا جاد قضاؤه‏.‏

ورمو إذا جاد رميه‏.‏

فكما بني فَعُل مما لامه ياء كذلك خرج هذا على أصله في فَعُلَ مما عينه ياء‏.‏

وعلتهما جميعاً أن هذا بناء لا يتصرف لمضارعته بما فيه من المبالغة لباب التعجب ولنعم وبئس‏.‏

فلما لم يتصرف احتملوا فيه خروجه في هذا الموضع مخالفاً للباب ألا تراهم إنما تحاموا أن يبنوا فَعُل مما عينه ياء مخافة انتقالهم من الأثقل إلى ما هو أثقل منه لأنه كان يلزمهم أن يقولوا‏:‏ بُعْتُ أبوع وهو يبوع ونحن نبوع وأنت أو هي تبوع وبوعا وبوعوا وبوعى وهما يبوعان وهم يبوعون ونحو ذلك‏.‏

وكذلك لو جاء فَعُل مما لامه ياء متصرفاً للزم أن يقولوا‏:‏ رمُوتُ ورَمُوتَ وأنا أرمو ونحن نرمو وأنت ترمو وهو يرمو وهم يرمون وأنتما ترموان وهن يرمون ونحو ذلك فيكثر قلب الياء واواً وهو أثقل من الياء‏.‏

فأما قولهم‏:‏ لرمُوَ الرجل فإنه لا يصرف ولا يفارق موضعه هذا كما لا يتصرف نعم وبئس فاحتمل ذلك فيه لجموده عليه وأمنهم تعديه إلى غيره‏.‏

وكذلك احتمل هيؤ الرجل ولم يعل لأنه لا يتصرف لمضارعته بالمبالغة فيه باب التعجب ونعم وبئس ولو صرف للزم إعلاله وأن يقال‏:‏ هاء يهوء وأهوء وتهوء ونهوء وهما يهوءان وهم يهوءون ونحو ذلك فلما لم يتصرف لحق بصحة الأسماء فكما صح نحو القود والحوكة والصيد والغيب كذلك صح هيؤ الرجل فاعرفه كما صح ما أطوله وما أبيعه ونحو ذلك‏.‏

ومما لا يراجع من الأصول باب افتعل إذا كانت فاؤه صاداً أو ضاداً أو طاء أو ظاء فإن تاءه تبدل طاء نحو اصطبر واضطرب واطرد واظطلم‏.‏

وكذلك إن كانت فاؤه دالاً أو ذالاً أو زاياً فإن تاءه تبدل دالاً‏.‏

وذلك نحو قولك أدلج وادكر وازدان‏.‏

فلا يجوز خروج هذه التاء على أصلها‏.‏

ولم يأت ذلك في نثر ولا نظم‏.‏

فأما ما حكاه خلف فيما أخبرنا به أبو علي من قول بعضهم‏:‏ التقطت النوى واشتقطته واضتقطته فقد يجوز أن تكون الضاد بدلاً من الشين في اشتقطته‏.‏

نعم ويجوز أن تكون بدلاً من اللام في التقطته فيترك إبدال التاء طاء مع الضاد ليكون ذلك إيذاناً بأنها بدل من اللام أو الشين فتصح التاء مع الضاد كما صحت مع ما الضاد بدل منه‏.‏

ونظير ذلك قول بعضهم‏:‏ يا رب أباز من العفر صدع تقبض الذئب إليه واجتمع لما رأى أن لادعه ولا شبع مال إلى أرطاة حقف فالطجع فأبدل لام الطجع من الضاد وأقر الطاء بحالها مع اللام ليكون ذلك دليلاً على أنها بدل من الضاد‏.‏

وهذا كصحة عور لأنه بمعنى ما تجب صحته وهو اعور‏.‏

وقد مضى ذلك‏.‏

ومن ذلك امتناعهم من تصحيح الواو الساكنة بعد الكسرة ومن تصحيح الياء الساكنة بعد الضمة‏.‏

فأما قراءة أبي عمرو‏:‏ ‏{‏ يا صالح آيتنا ‏}‏ بتصحيح الياء بعد ضمة الحاء فلا يلزمه عليها أن يقول‏:‏ يا غلام اوجل‏.‏

والفرق بينهما أن صحة الياء في ‏{‏ يا صالح آيتنا ‏}‏ بعد الضمة له نظير وهو قولهم‏:‏ قيل وبيع فحمل المنفصل‏:‏ على المتصل وليس في كلامهم واو ساكنة صحت بعد كسرة فيجوز قياساً عليه يا غلام اوجل‏.‏

فإن قلت‏:‏ فإن الضمة في نحو قيل وبيع لا تصح لأنها إشمام ضم للكسرة والكسرة في يا غلام اوجل كسرة صريحة‏.‏

فهذا فرق‏.‏

قيل‏:‏ الضمة في حاء يا صالحُ ضمة بناء فأشبهت ضمة قيل من حيث كانت بناء وليس لقولك‏:‏ يا غلام اوجل شبيه فيحمل هذا عليه لا كسرة صريحة ولا كسرة مشوبة‏.‏

فأما تفاوت ما بين الحركتين في كون إحداهما ضمة صريحة والأخرى ضمة غير صريحة فأمر تغتفر العرب ما هو أعلى وأظهر منه‏.‏

وذلك أنهم قد اغتفروا اختلاف الحرفين مع اختلاف الحركتين في نحو جمعهم في القافية بين سالم وعالم مع قادم وظالم فإذا تسمحوا بخلاف الحرفين مع الحركتين كان تسمحهم بخلاف الحركتين وحدهما في يا صالح آيتنا وقيل وبيع أجدر بالجواز‏.‏

فإن قلت‏:‏ فقد صحت الواو الساكنة بعد الكسرة نحو اجلواذ واخرواط قيل‏:‏ الساكنة هنا لما أدغمت في المتحركة فنبا اللسان عنهما جميعاً نبوة واحدة جرتا لذلك مجرى الواو المتحركة بعد الكسرة نحو طول وحول‏.‏

وعلى أن بعضهم قد قال‏:‏ اجليواذا فأعل مراعاة لأصل ما كان عليه الحرف ولم يبدل الواو بعدها لمكان الياء إذ كانت هذه الياء غير لازمة فجرى ذلك في الصحة مجرى ديوان فيها‏.‏

ومن قال‏:‏ ثيرة وطيال فقياس قولهم هنا أن يقول‏:‏ اجلياذا فيقلبهما جميعاً إذ كانا قد جريا مجرى الواو الواحدة المتحركة‏.‏

فإن قيل‏:‏ فالحركتان قبل الألفين في سالم وقادم كلتاهما فتحة وإنما شيبت إحداهما بشيء من الكسرة وليست كذلك الحركات في حاء يا صالح وقاف قيل من حيث كانت الحركة في حاء يا صالحُ ضمة البتة وحركة قاف قيل كسرة مشوبة بالضم فقد ترى الأصلين هنا مختلفين وهما هناك أعني في سالم وقادم متفقان‏.‏

قيل‏:‏ كيف تصرفت الحال فالضمة في قيل مشوبة غير مخلصة كما أن الفتحة في سالم مشوبة مخلصة نعم ولو تطمعت الحركة في قاف قيل لوجدت حصة الضم فيها أكثر من حصة الكسر أو أدون حالها أن تكون في الذوق مثلها ثم من بعد ذلك ما قدمناه من اختلاف الألفين في سالم وقادم لاختلاف الحركتين قبلهما الناشئة هما عنهما وليست الياء في قيل كذلك بل هي ياء مخلصة وإن كانت الحركة قبلها مشوبة غير مخلصة‏.‏

وسبب ذلك أن الياء الساكنة سائع غير مستحيل فيها أن تصح بعد الضمة المخلصة فضلاً عن الكسرة المشوبة بالضم ألا تراك لا يتعذر عليك صحة الياء وإن خلصت قبلها الضمة في نحو ميسر في اسم الفاعل من أيسر لو تجشمت إخراجه على الصحة وكذلك لو تجشمت تصحيح واو موزان قبل القلب وإنما ذلك تجشم الكلفة لإخراج الحرفين مصححين غير معلين‏.‏

فأما الألف فحديث غير هذا ألا ترى أنه ليس في الطوق ولا من تحت القدرة صحة الألف بعد الضمة ولا الكسرة بل إنما هي تابعة للفتحة قبلها فإن صحت الفتحة قبلها صحت بعدها وإن شيبت الفتحة بالكسرة نحي بالألف نحو الياء نحو سالم وعالم وإن شيبت بالضمة نحى بالألف نحو الواو في الصلاة والزكاة وهي ألف التفخيم‏.‏

فقد بان لك بلك فرق ما بين الألف وبين الياء والواو‏.‏

فهذا طرف من القول على ما يراجع من الأصول للضرورة مما يرفض فلا يراجع‏.‏

فاعرفه وتنبه على أمثاله فإنه كثيرة‏.‏

باب في مراعاتهم الأصول للضرورة تارة وإهمالهم إياها أخرى

فمن الأول قولهم‏:‏ صغت الخاتم وحكت الثوب ونحو ذلك‏.‏

وذلك أن فعلت هنا عديت فلولا أن أصل هذا فعلت بفتح العين لما جاز أن تعمل فعلت‏.‏

ومن ذلك بيت الكتاب‏:‏ ألا ترى أن أول البيت مبني على اطراح ذكر الفاعل وأن آخره قد عوود فيه الحديث عن الفاعل لأن تقديره فيما بعد‏:‏ ليبكه مختبط مما تطيح الطوائح‏.‏

فدل قوله‏:‏ ليبك على ما أراده من قوله‏:‏ ليبكه‏.‏

ونحوه قوله الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا‏}‏ ‏{‏وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا‏}‏ هذا مع قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ‏}‏ وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ‏}‏ وأمثاله كثيرة‏.‏

ونحو من البيت قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ‏}‏ أي يسبح له فيها رجال‏.‏

ومن الأصول المراعاة قولهم‏:‏ مررت برجل ضارب زيد وعمرا وليس زيد بقائم ولا قاعدا و ‏{‏إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ‏}‏ وإذا جاز أن تراعى الفروع نحو قوله‏:‏ بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائيا وقوله‏:‏ مشائيم ليسوا مصلحين عشيرةً ولا ناعبٍ إلا ببينٍ غرابها كانت مراجعة الأصول أولى وأجدر‏.‏

ومن ضد ذلك‏:‏ هذان ضارباك ألا ترى أنك لو اعتددت بالنون المحذوفة لكنت كأنك قد جمعت بين الزيادتين المعتقبتين في آخر الاسم‏.‏

وعلى هذا القياس أكثر الكلام‏:‏ أن يعامل الحاضر فيغلب حكمه لحضوره على الغائب لمغيبه‏.‏

وهو شاهد لقوة إعمال الثاني من الفعلين لقوته وغلبته على إعمال الأول لبعده‏.‏

ومن ذلك قوله‏:‏ وما كل من وافى منى أنا عارف فيمن نون أو أطلق مع رفع كل‏.‏

ووجه ذلك أنه إذا رفع كلاّ فلا بد من تقديره الهاء ليعود على المبتدأ من خبره ضمير وكل واحد من التنوين في عارف ومدة الإطلاق في عارفو ينافي اجتماعه مع الهاء المرادة المقدرة ألا ترى أنك لو جمعت بينهما فقلت‏:‏ عارفنه أو عارفوه لم يجز شيء من ذينك‏.‏

وإنما هذا لمعاملة الحاضر واطراح حكم الغائب‏.‏

فاعرفه وقسه فإنه باب واسع‏.‏

باب في حمل الأصول على الفروع

قال أبو عثمان‏:‏ لا يضاف ضارب إلى فاعله لأنك لا تضيفه إليه مضمراً فكذلك لا تضيفه إليه مظهراً‏.‏

قال‏:‏ وجازت إضافة المصدر إلى الفاعل لما جازت إضافته إليه مضمراً‏.‏

كأن أبا عثمان إنما اعتبر في هذا الباب المضمر فقدمه وحمل عليه المظهر من قبل أن المضمر أقوى حكماً في باب الإضافة من المظهر‏.‏

وذلك أن المضمر أشبه بما تحذفه الإضافة وهو التنوين من المظهر‏.‏

ولذلك لا يجتمعان في نحو ضاربانك وقاتلونه من حيث كان المضمر بلطفه وقوة اتصاله مشابهاً للتنوين بلطفه وقوة اتصاله وليس كذلك المظهر لقوته ووفور صورته ألا تراك تثبت معه التنوين فتنصبه نحو ضاربان زيداً وقاتلون عمراً‏.‏

فلما كان المضمر مما تقوى معه مراعاة الإضافة حمل المظهر وإن كان هو الأصل عليه وأصاره لما ذكرناه إليه‏.‏

ومن ذلك قولهم‏:‏ إنما استوى النصب والجر في المظهر في نحو رأيت الزيدين ومررت بالزيدين لاستوائهما في المضمر نحو رأيتك ومررت بك‏.‏

وإنما كان هذا الموضع للمضمر حتى حمل عليه حكم المظهر من حيث كان المضمر عارياً من الإعراب فإذا عرى منه جاز أن يأتي منصوبه بلفظ مجروره وليس كذلك المظهر لأن باب الإظهار أن يكون موسوماً بالإعراب فلذلك حملوا الظاهر على المضمر في التثنية وإن كان المظهر هو الأصل إذ كان المراعى هنا أمراً غير الفرعية والأصلية وإنما هو أمر الإعراب والبناء‏.‏

وإذا تأملت ذلك علمت أنك في الحقيقة إنما حملت فرعاً على أصل لا أصلاً على فرع ألا ترى أن المضمر أصل في عدم الإعراب فحملت المظهر عليه لأنه فرع في البناء كما حملت المظهر على المضمر في باب الإضافة من حيث كان المضمر هو الأصل في مشابهته التنوين والمظهر فرع عليه في ذلك لأنه إنما يتأصل في الإعراب لا في البناء‏.‏

فإذا بدهتك هذه المواضع فتعاظمتك فلا تخنع لها ولا تعط باليد مع أول ورودها وتأت لها ولاطف بالصنعة ما يورده الخصم منها مناظراً كان أو خاطراً‏.‏

وبالله التوفيق‏.‏

باب في الحكم يقف بين الحكمين

هذا فصل موجود في العربية لفظاً وقد أعطته مقاداً عليه وقياساً‏.‏ وذلك نحو كسرة ما قبل ياء المتكلم في نحو غلامي وصاحبي‏.‏ فهذه الحركة لا إعراب ولا بناء‏.‏

أما كونها غير إعراب فلأن الاسم يكون مرفوعاً ومنصوباً وهي فيه نحو هذا غلامي ورأيت صاحبي وليس بين الكسر وبين الرفع والنصب في هذا ونحوه نسبة ولا مقاربة‏.‏

وأما كونها غير بناء فلأن الكلمة معربة متمكنة فليست الحركة إذن في آخرها ببناء ألا ترى أن غلامي في التمكن واستحقاق الإعراب كغلامك وغلامهم وغلامنا‏.‏

فإن قلت‏:‏ فما الكسرة في نحو مررت بغلامي ونظرت إلى صاحبي أإعراب هي أم من جنس الكسرة في الرفع والنصب قيل‏:‏ بل هي من جنس ما قبلها وليست إعراباً ألا تراها ثابتة في الرفع والنصب‏.‏

فعلمت بذلك أن هذه الكسرة يكره الحرف عليها فيكون في الحالات ملازماً لها‏.‏

وإنما يستدل بالمعلوم على المجهول‏.‏

فكما لا يشك أن هذه الكسرة في الرفع والنصب ليست بإعراب فكذلك يجب أن يحكم عليها في باب الجر إذ الاسم واحد فالحكم عليه إذاً في الحلات واحد‏.‏

إلا أن لفظ هذه الحركة في حال الجر وإن لم تكن إعراباً لفظها لو كانت إعراباً كما أن كسرة الصاد في صِنْو غير كسرة الصاد في صِنْوان حكماً وإن كانت إياها لفظاً‏.‏

وقد مضى ذلك وسنفرد لما يتصل به باباً‏.‏

ومن ذلك ما كانت فيه اللام أو الإضافة نحو الرجل وغلامك وصاحب الرجل‏.‏

فهذه الأسماء كلها وما كان نحوها لا منصرفة ولا غير منصرفة‏.‏

وذلك أنها ليست بمنونة فتكون منصرفة ولا مما يجوز للتنوين حلوله للصرف فإذا لم يوجد فيه كان عدمه منه أمارة لكونه غير منصرف كأحمد وعمر وإبراهيم ونحو ذلك‏.‏

وكذلك التثنية والجمع على حدها نحو الزيدان والعمرين والمحمدون وليس شيء من ذلك منصرفاً ولا غير منصرف معرفة كان أو نكرة من حيث كانت هذه الأسماء ليس مما ينون مثلها فإذا لم يوجد فيها التنوين كان ذهابه عنها أمارة لترك صرفها‏.‏

ومن ذلك بيت الكتاب‏:‏ له زجل كأنه صوت حاد فحذف الواو من قوله كأنه لا على حد الوقف ولا على حد الوصل‏.‏

أما الوقف فيقضى بالسكون‏:‏ كأنْه‏.‏

وأما الوصل فيقضى بالمَطْل وتمكين الواو‏:‏ كأنهو فقوله إذاً كأنهُ منزلة بين الوصل والوقف‏.‏

وكذلك أيضاً سواءً قوله‏:‏ يا مرحباه بحمار ناجيه إذا أتى قربته للسانيه فثبات الهاء في مرحباه ليس على حد الوقف ولا على حد الوصل‏:‏ أما الوقف فيؤذن بأنها ساكنة‏:‏ يا مرحباهْ‏.‏

وأما الوصل فيؤذن بحذفها أصلاً‏:‏ يامرحبا بحماز ناجية‏.‏

فثباتها إذاً في الوصل متحركة منزلة بين المنزلتين‏.‏

وكذلك سواء قوله‏:‏ ببازلٍ وجناءً أو عًيْهلِّ فإثبات الياء مع التضعيف طريف‏.‏

وذلك أن التثقيل من أمارة الوقف والياء من أمارة الإطلاق‏.‏

فظاهر هذا الجمع بين الضدين فهو إذاً منزلة بين المنزلتين‏.‏

وسبب جواز الجمع بينهما أن كل واحد منهما قد كان جائزاً على انفراده فإذا جمع بينهما فإنه على كل حال لم يكلف إلا بما من عادته أن يأتي به مفرداً وليس على النظر بحقيقة الضدين كالسواد والبياض والحركة والسكون فيستحيل اجتماعهما‏.‏

فتضادهما إذاً إنما هو في الصناعة لا في الطبيعة‏.‏

والطريق متلئبة منقادة والتأمل يوضحها ويمكنك منها‏.‏

باب في شجاعة العربية

اعلم أن معظم ذلك إنما هو الحذف والزيادة والتقديم والتأخير والحمل على المعنى والتحريف‏.‏

الحذف قد حذفت العرب الجملة والمفرد والحرف والحركة‏.‏

وليس شيء من ذلك إلا عن دليل عليه‏.‏

وإلا كان فيه ضرب من تكليف علم الغيب في معرفته‏.‏

فأما الجملة فنحو قولهم في القسم‏:‏ والله لا فعلت وتالله لقد فعلت‏.‏

وأصله‏:‏ أقسم بالله فحذف الفعل والفاعل وبقيت الحال من الجار والجواب دليلاً على الجملة المحذوفة‏.‏

وكذلك الأفعال في الأمر والنهي والتحضيض نحو قولك‏:‏ زيداً إذا أردت‏:‏ اضرب زيداً أو نحوه‏.‏

ومنه إياك إذا حذرته أي احفظ نفسك ولا تضعها والطريق الطريق وهلا خيرا من ذلك‏.‏

وقد حذفت الجملة من الخبر نحو قولك‏:‏ القرطاس والله أي أصاب القرطاس‏.‏

وخير مقدم أي قدمت خير مقدم‏.‏

وكذلك الشرط في نحو قوله‏:‏ الناس مجزيون بأفعالهم إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً أي إن فعل المرء خيراً جزى خيراً وإن فعل شراً جزي شراً‏.‏

ومنه قول التغلبي‏:‏ إذا ما الماء خالطها سخينا أي فشربنا سخيناً وعليه قول الله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً‏}‏ أي فضرب فانفجرت وقوله عز اسمه‏:‏ ‏{‏فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ‏}‏ أي فحلق فعليه فدية‏.‏

ومن ه قولهم‏:‏ ألا تا بلى فا أي ألا تفعل بلى فافعل وقول الآخر‏:‏ قلنا لها قفي لنا قالت قاف أي وقفت وقوله‏:‏ ‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

وكأن قد أي كأنها قد زالت‏.‏

فأما قوله‏:‏ إذا قيل مهلاً قال حاجزه قد فيكون على هذا أي قد قطع وأغنى‏.‏

ويجوز أن يكون معناه‏:‏ قَدْك‏!‏ أي حسبك كأنه قد فرغ ما قد أريد منه فلا معنى لردعك وزجرك‏.‏

وإنما تحذف الجملة من الفعل الفاعل لمشابهتها المفرد بكون الفاعل في كثير من الأمر بمنزلة الجزء من الفعل نحو ضربت ويضربان وقامت هند و ‏{‏لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ‏}‏ وحبذا زيد وما أشبه ذلك مما يدل على شدة اتصال الفعل بالفاعل وكونه معه كالجزء الواحد‏.‏

وليس كذلك المبتدأ والخبر‏.‏

وأما حذف المفرد فعلى ثلاثة أضرب‏:‏ اسم وفعل وحرف‏.‏

حذف الاسم على أضرب قد حذف المبتدأ تارة نحو هل لك في كذا وكذا أي هل لك فيه حاجة أو أرب‏.‏

وكذلك قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ‏}‏ أي ذلك أو هذا بلاغ‏.‏

وهو كثير‏.‏

وقد حذف الخبر نحو قولهم في جواب من عندك‏:‏ زيد أي زيد عندي‏.‏

وكذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ‏}‏ وإن شئت كان على‏:‏ طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما وإن شئت كان على‏:‏ أمرنا طاعة وقول معروف‏.‏

وعليه قوله‏:‏ فقالت‏:‏ على اسم الله أمرك طاعة وإن كنت قد كلفت ما لم أعود وقد حذف المضاف وذلك كثير واسع وإن كان أبو الحسن لا يرى القياس عليه نحو قول الله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى‏}‏ أي بر من اتقى‏.‏

وإن شئت كان تقديره‏:‏ ولكن ذا البر من اتقى‏.‏

والأول أجود لأن حذف المضاف ضرب من الاتساع والخبر أولى بذلك من المبتدأ لأن الاتساع بالأعجاز أولى منه بالصدور‏.‏

ومنه قوله عز اسمه‏:‏ ‏{‏ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ‏}‏ أي أهلها‏.‏

وقد حذف المضاف مكرراً نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ‏}‏ أي من تراب أثر حافر فرس الرسول‏.‏

ومثله مسئلة الكتاب‏:‏ أنت منى فرسخان أي ذو مسافة فرسخين‏.‏

وكذلك قوله جل اسمه‏:‏ ‏{‏يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ‏}‏ أي كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت‏.‏

وقد حذف المضاف إليه نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ‏}‏ أي من قبل ذلك ومن بعده‏.‏

وقولهم‏:‏ ابدأ بهذا أول أي أول ما تفعل‏.‏

وإن شئت كان تقديره‏:‏ أول من غيره ثم شبه الجار والمجرور هنا بالمضاف إليه لمعاقبة المضاف إليه إياهما‏.‏

وكذلك قولهم‏:‏ جئت من عل أي من أعلى كذا وقوله‏:‏ فملك بالليط الذي تحت قشرها كغرقئ بيضٍ كنه القيض من علُ فأما قوله‏:‏ فلا حذف فيه لأنه نكرة ولذلك أعربه فكأنه قال‏:‏ حطه السيل من مكان عالٍ لكن قول العجلي‏:‏ أقب من تحت عريض من عل هو محذوف المضاف إليه لأنه معرفة وفي موضع المبني على الضم ألا تراه قابل به ما هذه حاله وهو قوله‏:‏ من تحت‏.‏

وينبغي أن يكتب ‏"‏ علي ‏"‏ في هذا بالياء‏.‏

وهو فعل في معنى فاعل أي أقب من تحته عريض من عاليه بمعنى أعلاه‏.‏

والسافل والعالي بمنزلة الأسفل والأعلى‏.‏

قال‏:‏ ما هو إلا الموت يغلي غاليه مختلطاً سافله بعاليه لا بد يوماً أنني ملاقيه ونظير عالٍ وعلٍ هنا قوله‏:‏ وقد علتني ذرأة بادي بدي أي باديَ باديَ‏.‏

وإن شئت كان ظرفاً غير مركب أي في بادى بدي كقوله‏:‏ عز اسمه‏:‏ ‏{‏بَادِيَ الرَّأْيِ‏}‏ أي في بادي الرأي إلا أنه أسكن الياء في موضع النصب مضطراً كقوله‏:‏ يا دار هند عفت إلا أثافيها وإن شئت كان مركباً على حد قوله‏:‏ إلا أنه أسكن لطول الاسم بالتركيب كمعدي كرب‏.‏

ومثل فاعل وفعل في هذا المعنى قوله‏:‏ أصبح قلبي صردا لا يشتهي أن يردا إلا عراداً عردا وصلياناً بردا وعنكثاً ملتبدا أراد‏:‏ الإعراد عارداً وصليانا باردا‏.‏

وعليه قوله‏:‏ كأن في الفرش القتاد العاردا فأما قولهم‏:‏ عرد الشتاء فيجوز أن يكون مخففاً من عرد هذا‏.‏

ويجوز أن يكون مثالاً في الصفة على فعل كصعب وندب‏.‏

ومنه يومئذ وحينئذ ونحو ذلك أي إذ ذاك كذلك فحذفت الجملة المضاف إليها‏.‏

وعليه قول ذي الرمة‏:‏ فلما لبسن الليل أو حين نصبت له من خذا آذانها وهو جانح أي‏:‏ أو حين أقبل‏.‏

وحكى الكسائي‏:‏ أفوق تنام أم أسفل حذف المضاف ولم يبن‏.‏

وسمع أيضاً‏:‏ ‏{‏لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ‏}‏ فحذف ولم يبن‏.‏

وقد حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وأكثر ذلك في الشعر‏.‏

وإنما كانت كثرته فيه دون النثر من حيث كان القياس يكاد يحظره‏.‏

وذلك أن الصفة في الكلام على ضربين‏:‏ إما للتخليص والتخصيص وإما للمدح الثناء‏.‏

وكلاهما من مقامات الإسهاب والإطناب لا من مظان الإيجاز والاختصار‏.‏

وإذا كان كذلك لم يلق الحذف به ولا تخفيف اللفظ منه‏.‏

هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من الإلباس وضد البيان‏.‏

ألا ترى أنك إذا قلت‏:‏ مررت بطويل لم يستبن من ظاهر هذا اللفظ أن الممرور به إنسان دون رمح أو ثوب أو نحو ذلك‏.‏

وإذا كان كذلك كان حذف الموصوف إنما هو متى قام الدليل عليه أو شهدت الحال به‏.‏

وكلما استبهم الموصوف كان حذفه غير لائق بالحديث‏.‏

ومما يؤكد عندك ضعف حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه‏.‏

وذلك أن تكون الصفة جملة نحو مررت برجل قام أخوه ولقيت غلاماً وجهه حسن‏.‏

ألا تراك لو قلت‏:‏ مررت بقام أخوه أو لقيت وجهه حسن لم يحسن‏.‏

فأما قوله‏:‏ والله ما زيد بنام صاحبه ولا مخالط الليان جانبه فقد قيل فيه‏:‏ إن نام صاحبه علم اسم لرجل وإذا كان كذلك جرى مجرى قوله‏:‏ بني شاب قرناها‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

ولا مخالط الليان جانبه ليس علماً وإنما هو صفة وهو معطوف على نام صاحبه صفة أيضاً‏.‏

قيل‏:‏ قد يكون في الجمل إذا سمى بها معاني الأفعال فيها‏.‏

ألا ترى أن شاب قرناها تصر وتحلب هو اسم علم وفيه مع ذلك معنى الذم‏.‏

وإذا كان كذلك جاز أن يكون قوله‏:‏ ولا مخالط الليان جانبه معطوفاً على ما في قوله ما زيد بنام صاحبه من معنى الفعل‏.‏

فأما قوله‏:‏ مالك عندي غير سهم وحجر وغير كبداء شديدة الوتر جادت بكفي كان من أرمى البشر أي بكفي رجل أو إنسان كان من أرمى البشر فقد روى غير هذه الرواية‏.‏

روى‏:‏ بكفى كان من أرمى البشر بفتح ميم من أي بكفى من هو أرمى البشر وكان على هذا زائدة‏.‏

ولو لم تكن فيه إلا هذه الرواية لما جاز القياس عليه لفروده وشذوذه عما عليه عقد هذا الموضع‏.‏

ألا تراك لا تقول‏:‏ مررت بوجهه حسن ولا نظرت إلى غلامه سعيد‏.‏

فأما قولهم بدأت بالحمد لله وانتهيت من القرآن إلى ‏{‏أَتَى أَمْرُ اللّهِ‏}‏ ونحو ذلك فلا يدخل على هذا القول من قبل أن هذه طريق الحكاية وما كان كذلك فالخطب فيه أيسر والشناعة فيه أوهى وأسقط‏.‏

وليس منا كنا عليه مذهباً له تعلق بحديث الحكاية‏.‏

وكذاك إن كانت الصفة جملة لم يجز أ تقع فاعلة ولا مقامة مقام الفاعل ألا تراك لا تجيز قام وجهه حسن ولا ضرب قام غلامه وأنت تريد‏:‏ قام رجل وجهه حسن ولا ضرب إنسان قام غلامه‏.‏

وكذاك إن كانت الصفة حرف جر أو ظرفاً لا يستعمل استعمال الأسماء‏.‏

فلو قلت‏:‏ جاءني من الكرام أي رجل من الكرام‏.‏

أو حضرني سواك أي إنسان سواك لم يجسن لأن الفاعل لا يحذف‏.‏

فأما قوله‏:‏ أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يهلك فيه الزيت والفتل فليست الكاف هنا حرف جر بل هي اسم بمنزلة مثل كالتي في قوله‏:‏ على كالقطا الجوني أفزعه الزجر وكالكاف الثانية من قوله‏:‏ وصاليات ككما يؤثفين أي كمثل ما يؤثفين وعليه قول ذي الرمة‏:‏ أبيت على مي كئيباً وبعلها على كالنقا من عالج يتبطح فأما قول الهذلي‏:‏ فلم يبق منها سوى هامد وغير الثمام وغير النؤى ففيه قولان‏:‏ أحدهما أن يكون في يبق ضمير فاعل من بعض ما تقدم كذا قال أبو علي رحمه الله‏.‏

والآخر أن يكون استعمل سوى للضرورة اسماً فرفعه‏.‏

وكأن هذا أقوى لأن بعده‏:‏ وغير الثمام وغير النؤى فكأنه قال‏:‏ لم يبق منها غير هامد‏.‏

ومثله ما أنشدناه للفرزدق من قوله‏:‏ أئته بمجلوم كأن جبينه صلاءة ورس وسطها قد تفلقا وعليه قول الآخر‏:‏ في وسط جمع بني قريط بعدما هتفت ربيعة يا بني جواب وقد أقيمت الصفة الجملة مقام الموصوف المبتدأ نحو قوله‏:‏ لو قلت ما في قومها لم تيثم يفضلها في حسب وميسم أي ما في قومها أجد يفضلها وقال الله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ‏}‏ أي قوم دون ذلك‏.‏

وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ‏}‏ فيمن قرأه بالنصب فيحتمل أمرين‏:‏ أحدهما أن يكون الفاعل مضمراً أي لقد تقطع الأمر أو العقد أو الود ونحو ذلك بينكم‏.‏

والآخر أن يكون ما كان يراه أبو الحسن من أن يكون ‏"‏ بينكم ‏"‏ وإن كان منصوب اللفظ مرفوع الموضع بفعله غير أنه أقرت نصبة الظرف وإن كان مرفوع الموضع لاطراد استعمالهم إياه ظرفاً‏.‏

إلا أن استعمال الجملة التي هي صفة للمبتدأ مكانه أسهل من استعمالها فاعلة لأنه ليس يلزم أن يكون المبتدأ اسماً محضاً‏.‏

كلزوم ذلك في الفاعل ألا ترى إلى قولهم‏:‏ تسمع بالمعيدي خير من أن تراه أي سماعك به خير من رؤيته‏.‏

وقد تقصينا ذلك في غير موضع‏.‏

وقد حذفت الصفة ودلت الحال عليها‏.‏

وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم‏:‏ سير عليه ليل وهم يريدون‏:‏ ليل طويل‏.‏

وكأن هذا إنما حذفت فيه الصفة لما دل من الحال على موضعها‏.‏

وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك من التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله‏:‏ طويل أو نحو ذلك‏.‏

وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته‏.‏

وذلك أن تكون في مدح إنسان والثناء عليه فتقول‏:‏ كان والله رجلاً فتزيد في قوة اللفظ بالله هذه الكلمة وتتمكن في تمطيط اللام وإطالة الصوت بها وعليها أي رجلاً فاضلاً أو شجاعاً أو كريماً أو نحو ذلك‏.‏

وكذلك تقول‏:‏ سألناه فوجدناه إنساناً وتمكن الصوت بإنسان وتفخمه فتستغني بذلك عن وصفه بقولك‏:‏ إنساناً سمحاً أو جواداً أو نحو ذلك‏.‏

وكذلك إن ذممته ووصفته بالضيق قلت‏:‏ سألناه وكان إنساناً وتزوى وجهك وتقطبه فيغنى ذلك عن قولك‏:‏ إنساناً لئيما أو لحزا أو مبخلا أو نحو ذلك‏.‏

فعلى هذا وما يجري مجراه تحذف الصفة‏.‏

فأما إن عريت من الدلالة عليها من اللفظ أو من الحال فإن حذفها لا يجوز ألا تراك لو قلت‏:‏ وردنا البصرة فاجتزنا بالأبلة على رجل أو رأينا بستاناً وسكت لم تفد بذلك شيئاً لأن هذا ونحوه مما لا يعرى منه ذلك المكان وإنما المتوقع أن تصف من ذكرت أو ما ذكرت فإن لم تفعل كلفت علم ما لم تدلل عليه وهذا لغو من الحديث وجور في التكليف‏.‏

ومن ذلك ما يروى في الحديث‏:‏ لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد أي لا صلاة كاملة أو فاضلة ونحو ذلك‏.‏

وقد خالف في ذلك من لا يعد خلافه خلافاً‏.‏

وقد حذف المفعول به نحو قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ أي أوتيت منه شيئاً‏.‏

وعليه قول الله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى‏}‏ أي غشاها إياه‏.‏

فحذف المفعولين جميعاً‏.‏

وقال الحطيئة‏:‏ منعمة تصون إليك منها كصونك من رداء شرعبي أي تصون الحديث منها‏.‏

وله نظائر‏.‏

وقد حذف الظرف نحو قوله‏:‏ فإن مت فانعيني بما أنا أهله وشقي على الجيب يا ابنة معبد أي إن مت قبلك هذا يريد لا محالة‏.‏

ألا ترى أنه لا يجوز أن يشرط الإنسان موته لأنه يعلم أهيم بدعدٍ ما حييت فإن أمت أوكل بدعدٍ من يهيم بها بعدي أي فإن أمت قبلها لا بد أن يريد هذا‏.‏

وعلى هذا قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏}‏ أي من شهد الشهر منكم صحيحاً بالغاً في مصرٍ فليصمه‏.‏

وكان أبو علي رحمه الله يرى أن نصب الشهر هنا إنما هو على الظرف ويذهب إلى أن المفعول محذوف أي فمن شهد منكم المصر في هذا الشهر فليصمه‏.‏

وكيف تصرفت الحال فلا بد من حذف‏.‏

وقد حذف المعطوف تارة والمعطوف عليه أخرى‏.‏

روينا عن أحمد بن يحيى أنهم يقولون‏:‏ راكب الناقة طليحان أي راكب الناقة والناقة طليحان‏.‏

وقد مضى ذكر هذا‏.‏

وتقول‏:‏ الذي ضربت وزيداً جعفر تريد الذي ضربته وزيداً فتحذف المفعول من الصلة‏.‏

وقد حذف المستثنى نحو قولهم‏:‏ جاءني زيد ليس إلا وليس غير أي ليس إلا إياه وليس غيره‏.‏

وقد حذف خبر إن مع النكرة خاصة نحو قول الأعشى‏:‏ إن محلا وإن مرتحلا وإن في السفر إذ مضوا مهلا أي إن لنا محلا وإن لنا مرتحلا‏.‏

وأصحا بنا يجيزون حذف خبر إن مع المعرفة ويحكون عنهم أنهم إذ قيل لهم إن الناس ألب عليكم فمن لكم قالوا‏:‏ إن زيداً وإن عمرا أي إن لنا زيداً وإن لنا عمرا‏.‏

والكوفيون يأبون حذف خبرها إلا مع النكرة‏.‏

فأما احتجاج أبي العباس عليهم بقوله‏:‏ خلا أن حيا من قريش تفضلوا على الناس أو أن الأكارم نهشلا أي أو أن الأكارم نهشلا تفضلوا‏.‏

قال أبو علي‏:‏ وهذا لا يلزمهم لأن لهم أن يقولوا‏:‏ إنما منعنا حذف خبر المعرفة مع إن المكسورة فأما مع أن المفتوحة فلن نمنعه‏.‏

قال‏:‏ ووجه فصلهم فيه بين المكسورة والمفتوحة أن المكسورة حذف خبرها كما حذف خبر نقيضها‏.‏

وهو قولهم لا بأسَ ولا شكّ أي عليك وفيه‏.‏

فكما أن لا تختص هنا بالنكرات فكذلك إنما تشبهها نقيضتها في حذف الخبر مع النكرة أيضاً‏.‏

وقد حذف أحد مفعولي ظننت‏.‏

وذلك نحو قولهم‏:‏ أزيدا ظننته منطلقاً ألا ترى أن تقديره‏:‏ أظننت زيداً منطلقاً ظننته منطلقاً فلما أضمرت الفعل فسرته بقولك‏:‏ ظننته وحذفت المفعول الثاني من الفعل الأول المقدر اكتفاء بالمفعول الثاني الظاهر في الفعل الآخر‏.‏

وكذلك بقية أخوات ظننت‏.‏

وقد حذف خبر كان أيضاً في نحو قوله‏:‏ أسكرانُ كان ابنَ المراغة إذ هجا تميما ببطن الشأم أم متساكر ألا ترى أن تقديره‏:‏ أكان سكرانُ ابن المراغة فلما حذف الفعل الرافع فسره بالثاني فقال‏:‏ كان ابن المراغة‏.‏

وابن المراغة هذا الظاهر خبر ‏"‏ كان ‏"‏ الظاهرة وخبر ‏"‏ كان ‏"‏ المضمر محذوف معها لأن ‏"‏ كان ‏"‏ الثانية دلت على الأولى‏.‏

وكذلك الخبر الثاني الظاهر دل على الخبر الأول المحذوف‏.‏

وقد حذف المنادى فيما أنشده أبو زيد من قوله‏:‏ فخير نحن عند الناس منكم إذا الداعي المثوب قال يالا أراد‏:‏ يا لبني فلان ونحو ذلك‏.‏

فإن قلت‏:‏ فكيف جاز تعليق حرف الحر قيل‏:‏ لما خلط بيا صار كالجزء منها‏.‏

ولذلك شبه أبو علي ألفه التي قبل اللام بألف باب ودار فحكم عليها حينئذ بالانقلاب‏.‏

وقد ذكرنا ذلك‏.‏

وحسن الحال أيضاً شيء آخر وهو تشبث اللام الجارة بألف الإطلاق فصارت كأنها معاقبة للمجرور‏.‏

ألا ترى أنك لو أظهرت ذلك المضاف إليه فقلت‏:‏ يا لبني فلان لم يجز إلحاق الألف هنا وجرت ألف الإطلاق في منابها هنا عما كان ينبغي أن يكون بمكانها مجرى ألف الإطلاق في منابها عن تاء التأنيث في نحو قوله‏:‏ ولاعب بالعشيِّ بني بنيه كفعل الهِرِّ يحترش العَظَايا وكذلك نابت أيضاً واو الإطلاق في قوله‏:‏ وما كل من وافى مني أنا عارف فيمن رفع كلا عن الضمير الذي يزاد في عارفه وكما ناب التنوين في نحو حينئذ ويومئذ عن المضاف إليه إذْ‏.‏

وعليه قوله‏:‏ نهيتك عن طلابك أم عمرو بعاقبة وأنت إذٍ صحيح فأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ ألا يا اسجدوا ‏}‏ فقد تقدم القول عليه‏:‏ أنه ليس المنادى هنا محذوفاً ولا مراداً كما ذهب إليه محمد بن يزيد وأن ‏"‏ يا ‏"‏ هنا أخلصت للتنبيه مجرداً من النداء كما أن ‏"‏ ها ‏"‏ من قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ‏}‏ للتنبيه من غير أن تكون للنداء‏.‏

Share/Save/Bookmark
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy

مقالات ادبية

Read Detailsفي رحاب الحلّاج (8): في البدء كان العشق
مادونا عسكر
Read Detailsشخصيات تحلم بالتحرر من ماضيها فتختنق بحاضرها
فراس حج محمد
Read Details"الأمير" واسيني الأعرج بالدار البيضاء
متابعة :هشام ايت علا موسى- محمد ايت اعزي- أسماء ايت زيدان
Read Detailsجارة البحر جسر الزرقاء تنهض من سباتها ..!
شاكر فريد حسن
Read Detailsالاعتراف بالأخطاء وحلقة التحسين في الجودة الشاملة
م.مهند النابلسي
Read Detailsتقنيات الجودة الشاملة : التوجه للنتائج ام التوجه للأساليب ؟
م.مهند النابلسي
Read Detailsالنضح الاجتماعي
احمد عبد الكاظم شلاكة
Read Detailsالأنثي والألوان ,,, وألوان من تعاسة المرأة
فاطمة الزهراء فلا‎
Read Detailsدور أدوات الجودة بتحقيق نتائج عملية
م.مهند النابلسي
Read Detailsخطوات الادراك وعناصره
الدكتور مهند العزاوي
Read Detailsفي ضيافة ياسمينة خضرة
د. تارا ابراهيم
Read Detailsحول رواية "مدائن الأرجوان" للروائي السوري نبيل سليمان .. الآيات القرآنية الواردة في الرواية ومشكلة الضبط
فراس حج محمد
Read Details24 - التجديد في الشعر الأموي ثانية من عصر صدر الإسلام حتى بدايات العصر العباسي الأول - القسم الثاني -
كريم مرزة الاسدي
Read Detailsصورة وتعليق ..ايات الله تتراءى في عجائب خلقه
نايف عبوش
Read Detailsعتبات الشوق لشعيب حليفي
متابعات
Read Details« على ما يبدو » (نصوص قصصية).. جديد محمد الهجابي
محمد الهجابي

كتّاب عراقيون من أجل الحرية