عماد عبود عباس |
جورجينا بهنام |
ولاء السامرائي |
هيثم هاشم |
فهمي هويدي |
عمار عبد الكريم |
نوري جاسم المياحي |
د. صادق السامرائي |
د. صادق السامرائي |
هيثم هاشم |
قاسم بلشان التميمي |
هيثم هاشم |
العربية. عثمان بن جني الموصلي
باب في تدافع الظاهر
هذا نحو من اللغة له انقسام.
فمن ذلك استحسانهم لتركيب ما تباعدت مخارجه من الحروف نحو الهمزة مع النون والحاء مع الباء نحو آن ونأى وحب وبحّ واستقباحهم لتركيب ما تقارب من الحروف وذلك نحو صس وسص وطث وثط.
ثم إنا من بعد نراهم يؤثرون في الحرفين المتباعدين أن يقربوا أحدهما من صاحبه ويدنوه إليه وذلك نحو قولهم في سويق: صَوِيق وفي مساليخ: مصاليخ وفي السوق: الصوق وفي اصتبر: اصطبر وفي ازتان: ازدان ونحو ذلك ما أدنى فيه الصوتان أحدهما من الآخر مع ما قدمناه: من إيثارهم لتباعد الأصوات إذ كان الصوت مع نقيضه أظهر منه مع قرينه ولصيقه ولذلك كانت الكتابة بالسواد في السواد خفية وكذلك سائر الألوان.
والجواب عن ذلك أنهم قد علموا أن إدغام الحرف في الحرف أخف عليهم من إظهار الحرفين ألا ترى أن اللسان ينبو عنهما معاً نبوة واحدة نحو قولك: شد وقطع وسلم ولذلك ما حققت الهمزتان إذ كانتا عينين نحو سآل ورآس ولم تصحا في الكلمة الواحدة غير عينين ألا ترى إلى قولهم: آمن وآدم وجاء وشاء ونحو ذلك.
فلأجل هذا ما قال يونس في الإضافة إلى مُثَنَّى: مُثَنَّوِيّ فأجرى المدغم مجرى الحرف الواحد نحو نون مَثْنَّى إذا قلت: مَثْنِوَيّ قال الشاعر: حلفتُ يميناً غير ذي مَثْنَوِيَّةٍ ولأجل ذلك كان من قال: هم قالوا فاستخف بحذف الواو ولم يقل في هن قلن إلا بالإتمام.
ولذلك كان الحرف المشدد إذا وقع روياً في الشعر المقيد خفف كما يسكن المتحرك إذا وقع روياً فيه.
فالمشدد نحو قوله: أصحوت اليوم أم شاقتك هر ومن الحب جنون مستعر فقابل براء هر راء مستعر وهي خفيفة أصلاً.
وكذلك قوله: ففداء لبني قيس على ما أصاب الناس من سوء وضر ما أقلت قدمي إنهم نعم الساعون في الأمر المبر وأمثاله كثيرة.
والمتحرك نحو قول رؤبة: وقاتم الأعماق خاوي المخترق ونحو ذلك مما كان مفرداً محركاً فأسكنه تقييد الروى.
ومن ذلك أن تبنى مما عينه واو مثل فِعَّ فتصح العين للإدغام نحو قِوَّل وقِوَّم فتصح العين فلما كان في إدغامهم الحرف في الحرف ما أريناه من استخفافهم إياه صار تقريبهم الحرف من الحرف ضرباً من التطاول إلى الإدغام.
وإن لم يصلوا إلى ذلك فقد حاولوه واشرأبوا نحوه إلا أنهم مع هذا لا يبلغون بالحرف المقرب من الآخر أن يصيروه إلى أن يكون من مخرجه لئلا يحصلوا من ذلك بين أمرين كلاهما مكروه.
أما أحدهما فأن يدغموا مع بعد الأصلين وهذا بعيد.
وأما الآخر فأن يقربوه منه حتى يجعلوه من مخرجه ثم لا يدغموه وهذا كأنه انتكاث وتراجع لأنه إذا بلغ من قربه إلى أن يصير من مخرجه وجب إدغامه فإن لم يدغموه حرموه المطلب المروم فيه ألا ترى أنك إذ قربت السين في سويق من القاف بأن تقلبها صاداً فإنك لم تخرج السين من مخرجها ولا بلغت بها مخرج القاف فيلزم إدغامها فيها.
فأنت إذاً قد رمت تقريب الإدغام المستخف لكنك لم تبلغ الغاية التي توجبه عليك وتنوط أسبابه بك.
وكذلك إذا قلت في اضتبر: اصطبر فأنت قد قربت التاء من الصاد بأن قلبتها إلى أختها في الإطباق والاستعلاء والطاء مع ذلك من جملة مخرج التاء.
وكذلك إذا قلت في مصدر: مزدر فأخلصت الصاد زايا: قد قربتها من الدال بما في الزاي من الجهر ولم تختلجها عن مخرج الصاد.
وهذه أيضاً صورتك إذا أشممتها رائحة الزاي فقلت: فإن كان الحرفان جميعاً من مخرج واحد فسلكت هذه الطريق فليس إلا أن تقلب أحدهما إلى لفظ الآخر البتة ثم تدغم لا غير.
وذلك نحو اطعن القوم أبدلت تاء أطتعن طاء البتة ثم أدغمتها فيها لا غير.
وذلك أن الحروف إذا كانت من مخرج واجد ضاقت مساحتها أنت تدنى بالتقريب منها لأنها إذا كانت معها من مخرجها فهي الغاية في قربها فإن زدت على ذلك شيئاً فإنما هو أن تخلص الحرف إلى لفظ أخيه البتة فتدغمه فيه لا محالة.
فهذا وجه التقريب مع إيثارهم الإبعاد.
ومن تدافع الظاهر ما تعلمه من إيثارهم الياء على الواو.
وذلك لويت ليا وطويت طياً وسيد وهين وطي وأغريت ودانيت واستقصيت ثم إنهم مع ذلك قالوا: الفتوى والتقوى والثنوى فأبدلوا الياء واواً عن غير قوة علة أكثر من الاستحسان والملاينة.
والجواب عن هذا أيضاً أنهم مع ما أرادوه من الفرق بين الاسم والصفة على ما قدمناه أنهم أرادوا أن يعوضوا الواو من كثرة دخول الياء عليها.
ومثله في التعويض لا الفرق قولهم: تقي وتقواء ومضى على مضوائه وهذا أمر ممضو عليه.
ونحوه في الإغراب قولهم: عوى الكلب عوة وقياسه عيَّة.
وقالوا في العلم للفرق بينه وبين الجنس: حَيْوة وأصله حيَّة فأبدلوا الياء واواً.
وهذا مع إيثارهم خص العلمِ بما ليس للجنس فلا ترين من ذلك شيئاً ساذجاً عارياً من غرض وصنعة.
ومن ذلك استثقالهم المثلين حتى قلبوا أحدهما في نحو أمليت وأصلها أمللت وفيما حكاه أحمد بن يحيى أخبرنا به أبو علي عنه من قولهم: لا وربك لا أفعل يريدون: لا وربك لا أفعل.
نعم وقالوا في أشد من ذا: ينشب في المسعل واللهاء أنشب من مآشر حداء قالوا: يريد: حداد فأبدل الحرف الثاني وبينهما ألف حاجزة ثم قال مع هذا: لقد تعللت على أيانق صهب قليلات القراد اللازق فجمعوا بين ثلاثة أمثال مصححة وقالوا: تصببت عرقاً.
وقال العجاج: إذا حجاجا مقلتيها هججا وأجازوا في مثل فرزدق من رددت رَدَدّد فجمعوا بين أربع دالات وكرهوا أيضاً حنيفي ثم جمعوا بين أربع ياءات فقال بعضهم: أمَيِّيّ وعًدٍِتِّيّ وكرهوا أيضاً أربع ياءات بينهما حرف صحيح حتى حذفوا الثانية منها.
وذلك قولهم في الإضافة إلى أُسَيّدٍ: أُسَيْديّ.
ثم إنهم جمعوا بين خمس ياءات مفصولاً بينهما بالحرف الواحد.
وذلك قولهم في الإضافة إلى مُهيتم مُهَيّيمِىّ.
والجواب عن كل فصل من هذا حاضر.
أما أمليت فلا إنكار لتخفيفه بإبداله.
وأما تعللت وهججا ونحو ذلك مما اجتمعت فيه ثلاثة أمثال فخارج على أصله وليس من حروف العلة فيجب تغييره.
والذي فعلوه في أمليت ولاوربيك لا أفعل وأنشب من مآشر حداء لم يكن واجباً فيجب هذا أيضاً وإنما غير استحساناً فساغ ذلك فيه ولم يكن موجباً لتغيير كل ما اجتمعت فيه أمثال ألا ترى أنهم لما قلبوا ياء طيء ألفا في الإضافة فقالوا: طائي لم يكن ذلك واجباً في نظيره لما كان الأول مستحسناً.
وأما حنفي فإنهم لما حذفوا التاء شجعوا أيضاً على حذف الياء فقالوا: حنفي.
وليس كذلك عديي وأميي فيمن أجازهما ألا ترى عدياً لما جرى مجرى الصحيح في اعتقاب حركات الإعراب عليه نحو عديِّ وعديَّا وعديِّ جرى مجرى حنيف فقالوا: عديِّيِّ كما قالوا: حنيفيّ.
وكذلك أُمَيِّيّ أجروه مجرى نميريّ وعقيليّ.
ومع هذا فليس أميّيّ وعدييّ بأكثر في كلامهم.
وإنما يقولها بعضهم.
وأما جمعهم في مهييمي بين خمس ياءات وكراهيتهم في أسيدي أربعاً فلأن الثانية من أسيديّ لما كانت متحركة وبعدها حرف متحرك قلقت لذلك وجفت.
ولما تبعتها في مهييميّ ياء المد لانت ونعمت.
وذلك من شأن المدات.
ولذلك استعملن في الأرداف والوصول والتأسيس والخروج وفيهن يجري الصوت للغناء والحداء والترنم والتطويح.
وبعد فإنهم إذا خففوا في موضع وتركوا آخر في نحوه كان أمثل من ألا يخففوا في أحدهما.
وكذلك جميع ما يرد عليك مما ظاهره ظاهر التدافع يجب أن ترفق به ولا تعنف عليه ولا تسرع إلى إعطاء اليد بانتقاض بابه.
والقياس الفياس.
باب في التطوع بما لا يلزم
هذا أمر قد جاء في الشعر القديم والمولد جميعاً مجيئاً واسعاً.
وهو أن يلتزم الشاعر ما لا يجب عليه ليدل بذلك على غزره وسعة ما عنده.
فمن ذلك ما أنشده الأصمعي لبعض الرجاز: وحسدٍ أوشلت من حظاظها على أحاسي الغيظ واكتظاظها حتى ترى الجواظ من فظاظها مذلوليا بعد شدا أفظاظها وخطة لا روح كظاظها أنشطت عني عروتي شظاظها بعد احتكاء أربتي أشظاظها بعزمة جلت غشا إلظاظها بجك كرش الناب لافتظاظها فالتزم في جميعها ما تراه من الظاء الأولى مع كون الروي ظاء على عزة ذلك مفرداً من الظاء الأول فكيف به إذا انضم إليه ظاء قبله.
وقلما رأيت في قوة الشاعر مثل هذا.
وأنشد الأصمعي أيضاً من مشطور السريع رائية طويلة التزم قائلها تصغير قوافيها في أكثر الأمر عز على ليلى بذي سدير سوء مبيتي ليلة الغمير مقبضاً نفسي في طمير تجمع القنفذ في الحجير تنتهض الرعدة في ظهيري يهفو إلى الزور من صديري مثل هرير الهر للهرير ظمآن في ريح وفي مطير وأرز قر ليس بالقرير من لدما ظهر إلى سحير حتى بدت لي جبهة القمير لأربع غبرن من شهير ثم غدوت غرضاً من فوري وقطقط البلة في شعيري يقذفني مور إلى ذي مور حتى إذا وركت من أييرى سواد ضيفيه إلى القصير رأت شحوبي وبذاذ شوري وجردبت في سمل عفير راهبة تكنى بأم الخير جافية معوى ملاث الكور تتحزم فوق الثوب بالزنير تقسم أستياً لها بنير وتضرب الناقوس وسط الدير كلهم أمعط كالنغير وأرملات ينتظرن ميرى قالت ألا أبشر بكل خير ودهنت وسرحت ضفيري وأدمت خبزي من صيير من صير مصرين أو البحير وبزييت نمس مرير وعدس قشر من قشير وقبصات من فغى تمير وأتأرتني نظرة الشفير وجعلت تقذف بالحجير شطرى وما شطري وما شطيري حتى إذا ما استنتفدت خبيري قامت إلى جنبي تمس أيري فزف رألى واستطير طيري وقلت: حاجات عند غيري حقرت ألا يوم قد سيري إذ أنا مثل الفلتان العير حمساً ولا إضت كالنسير وحين أقعيت على قبيري أنتظر المحتوم من قديري كلا ومن منفعتي وخيري بكفه ومبدئي وحوري وكذلك ما أنشده الأصمعي من قول الآخر: قالوا ارتحل فاخطب فقلت هلاَّ إذ روقاي معاً ما انفلاَ وإذ أؤل المشي ألاَّ ألاَّ وإذ أنا أرى ثوب الصبا رفلاَ علي أحوى ندياً مخضلاَّ حتى إذا ثوب الشباب ولَّى وانضم بدن الشيخ واسمألاَّ وانشنج العلباء فاقفعلاّ مثل نضي السقم حين بلاّ وحر صدر الشيخ حتى صلاّ على حبيب بان إذ تولَّى غادر شغلاً شاغلاً وولَّى قلت تعلق فيلقاً هوجلاّ عجاجة هجاجة تألَّى لأصبحن الأحقر الأذلاَّ وأن أعل الرغم علاَّ علاَّ فإن أقل يا ظبي حلاً حلاَّ تقلق وتعقد حبلها المنحلاّ وحملقت حولي حتى احولاَّ مأقاأ كرهان لها واقبلاّ إذا أتت جارتها تفلَّى تريك أشغى قلحاً أفلاّ منتوفة الوجه كأن ملاّ يمل وجه العرس فيه ملاّ كأن صاباً آل حتى امطلاّ تسفه وشبرما وخلاّ إن حل يوماً رحله محلاّ حمو لها أزجت إليه صلاّ وعقرباً تمتل ملاً ملاَّ ذاك وإن ذو رحمها استقلاّ من عثرة ماتت جوى وسلاّ أو كثر الشيء له أو قلاّ قالت لقد أثرى فلا تملَّى وإن تقل يا ليته استبلاّ من مرض أحرضه وبلاّ تقل: لأنفيه ولا تعلَّى تسر إن يلق البلاد فلاّ مجروزة نفاسة وغلاّ وإن وصلت الأقرب الأخلاّ جنت جنوناً واستخفت قلاّ وأجللت من ناقع أفكلاّ إذا ظبي الكنسات انغلاّ تحت الإران سلبته الظلاَّ وإن رأت صوت السباب علَّى سحابة ترعد أو قسطلاّ أجت إليه عنقاً مئلاّ تقول لأبنيها إذا ما سلاّ سليلة من سرق أو غلاّ أو فجعا جيرتها فشلاّ وسيقة فكرشا وملاّ أحسنتما الصنع فلا تشلاّ لا تعدما أخرى ولا تكلاّ يا رب رب الحج إذ أهلاّ محرمه ملبياً وصلَّى وحل حَبْلَى رحله إذ حلاّ بالله قد أنضى وقد أكلاّ وأنقب الأشعر والأظلاّ من نافه قد انضوى واختلاّ يحمل بلو سفر قد بلَّى أجلاده صيامه وألاّ يزال نضو غزوة مملاّ وصال أرحام إذا ما ولَّى ذو رحم وصله وبلاّ سقاء رحم منه كان صلاّ وينفق الأكثر والأقلاّ من كسب ما طاب وما قد حلاّ إذا الشحيح غل كفاً غلاّ بسط كفيه معاً وبلاّ وحل زاد الرحل حلاً حلاَّ يرقب قرن الشمس إذ تدلَّى حتى إذا أوفى بلالاً بلاّ بدمعه لحيته وانغلاّ بها وفاض شرقاً فابتلاّ جيب الرداء منه فارمعلاّ وحفز الشأنين فاستهلاَّ كما رأيت الوشلين انهلاّ حتى إذا حبل الدعاء انحلاَّ وانقاض زبرا جاله فابتلاّ أثنى على الله علا وجلاّ ثم انثنى من بعد ذا فصلَّى على النبي نهلاً وعلاَّ وعم في دعائه وخلاّ ليس كمن فارق واستحلاّ دماء أهل دينه وولَّى وجهته سوى الهدى مولَّى مجتنباً كبرى الذنوب الجلّى مستغفراً إذا أصاب القلَّى لما أتى المزدلفات صلَّى سبعاً تباعاً حلهن حلاّ حتى إذا أنف الفجير جلَّى برقعه ولم يسر الجلاّ هب إلى نضيه فعلَّى رحيله عليه فاستقلاّ إني امرؤ أصفي الخلي الخله أمنحه ودي وأرعى إلَّه وأبغض الزيارة المملَّه وأقطع المهامه المضلَّه لست بها لركبها تعلَّه إلا نجاء الناجيات الجلّهْ على هبلِّ أو على هِبِلَّهْ ذات هباب جسرة شملّه ناجية في الخرق مشمعلّهْ تنسلُّ بعد العقب المكلّه مثل انسلال العضب من ذي الخلَّه وكاشح رقيت منه صلّه بالصفح عن هفوته والزلَّه حتى استللت ضغنه وغلّه وطامح ذي مخوة مدلّه حملته على شباة ألّه ولم أملَّ الشر حتى ملَّه وشنج الراحة مقفعلَّه ما إن تبض كفه ببلّه أفاد دثراً بعد طول خلّه وصار رب إبل وثلَّه لما ذممت دقه وجلّه ترى عليهم للندى أدلّه سماؤهم بالخير مستهلّه وغادروني بعدهم ذا غلَّه أبكيهم بعبرة منهلّه ثم صبرت واعتصمت بالله نفساً بحمل العبء مستقلَّه ودول الأيام مضمحله يشعبها ما يشعب الجبلّه تتابع الأيام والأهلًّه وأنشدنا أبو علي: شلَّت يدا قارية فرتها وفقئت عين التي أرتها مسك شبوب ثم وفرتها لو خافت النزع لأصغرتها فلزم التاء والراء وليست واحدة منهما بلازمة.
والقطعة هائية لسكون ما قبل الهاء والساكن لا وصل له.
ويجوز مع هذه القوافي ذرها ودعها.
وأنشد ابن الأعرابي ليزيد بن الأعور الشني وكان أكرى بعيراً له فحمل عليه محملان أول ما علمت المحامل.
وهو قوله: لما رأيت محمليه أنا مخدرين كدت أن أجنا قربت مثل العلم المبنى لا فاني السن وقد أسنا ضخم الملاط سبطاً عبنا يطرح بالطرف هُنَا وهَنّا وافتن من شأو النشاط فنا يدق حنو القتب المحنى إذا علا صوانة أرنا يرمعها والجندل الأغنا ضخم الجفور سهبلاً رفنا وفي الهباب سدماً معنى كأنما صريفه إذ طنا في الضالتين أخطبانٌ غنى مستحملاً أعرف قد تبنى كالصدع الأعصم لما اقتنا يقطع بعد الفيف مهوأنا وهو حديد القلب ما ارفأنا كأن شناً هزما وشنا قعقعه مهزج تعغنى تحت لبان لم يكن أدنا ألتزم النون المشددة في جميعها على ما تقدم ذكره وقال آخر: إليك أشكو مشيها تدافيا مشي العجوز تنقل الأثافيا فالتزم الفاء ولست واجبة.
وقال آخر: التزم الألف والحاء والياء وليست واحدة منهن لازمة لأنه قد يجوز مع هذه القوافي نحو يحدوه ويقفوه وما كان مثله.
وأنشد أبو الحسن: ارفعن أذيال الحقيّ وأربعن مشي حييات كأن لم يفزعن إن تمنع اليوم نساء تمنعن فالتزم العين وليست بواجبة.
وقال آخر: يا رب بكر بالردافي واسج اضطره الليل إلى عواسج عواسج كالعجز النواسج التزم الواو والسين وليست واحدة منهما بلازمة.
وقال آخر: أعيني ساء الله من كان سره بكاؤكما ومن يحب أذاكما ولو أن منظوراً وحبة أسلما لنزع القذى لم يبرئا لي قذاكما التزم الذال والكاف.
وقالوا: حبة امرأة هويها رجل من الجن يقال له منظور وكانت حبة لتطبب بما يعلمها منظور.
هل تعرف الدار بنعف الجرعاء بين رحا المثل وبين الميثاء كأنها باقي كتاب الإملاء غيرها بعدي مر الأنواء نوء الثريا أو ذراع الجوزاء قد أغتدى والطير فوق الأصواء مرتبئات فوق أعلى العلياء بمكرب الخلق سليم الأنقاء طرف تنقيناه خير الأفلاء لأمهاتٍ نسبت وآباء ثمت قاظ مرفها في إدناء مداخلاً في طولٍ وأغماء وفي الشعير والقضيم الأجباء وما أراد من ضروب الأشياء دون العيال وصغار الأبناء مقفى على الحي قصير الأظماء أمبسوا فقادوهن نحو الميطاء بمائتين بغلاء الغلاء أوفيته الزرع وفوق الإيفاء قد فزعوا غلمانها بالإيصاء مخافة السبق وجد الأنباء فلحقت أكبادهم بالأحشاء بالت وباتوا كبلايا الأبلاء مطلنفئين عندها كالأطلاء مستويات كنعال الحذاء فهن يعبطن جديد البيداء ما لا يسوى عبطه بالرفاء يتبعن وقعاً عند رجع الأهواء بسلبات كمساحي البناء يتركن في متن أديم الصحراء مساحبا مثل احتفار الكماء وأسهلوهن دقاق البطحاء يثرن من أكدارها بالدقعاء منتصباً مثل حريق القصباء كأنها لما رآها الرآء وأنشزتهن علاة البيداء ورفع اللامع ثوب الإلواء عقبان دجن في ندى وأسداء كل أغر محك وغراء شادخة غرتها أو قرحاء قد لحقت عصمتها بالأطباء من شدة الركض وخلج الأنساء كأنما صوت حفيف المعزاء معزول شذان حصاها الأقصاء صوت نشيش اللحم عند القلاء اطرد جميع قوافيها على جر واضعها إلا بيتاً واحداً وهو قوله: وذلك أن لمَّا مضافة إلى قوله: رآها الرآء والفعل لذلك مجرور الموضع بإضافة الظرف الذي هو لمّا إليه كما أن قول الله تعالى: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} الفعل الذي هو جاءَ في موضع جر بإضافة الظرف الذي هو إذا إليه.
وإذا كان كذلك وكان صاحب الجملة التي هي الفعل والفاعل إنما هو الفاعل وإنما جيء بالفعل له ومن أجله وكان أشرف جزءيها وأنبههما صارت الإضافة كأنها إليه فكأن الفاعل لذلك في موضع جر لا سيما وأنت لو لخصت الإضافة هنا وشرحتها لكان تقديرها: كأنها وقت رؤية الرآء لها.
فالرآء إذاً مع الشرح مجرور لا محالة.
نعم وقد ثبت أن الفعل مع الفاعل في كثير من الأحكام والأماكن كالشيء الواحد.
وإذا كان الفعل مجرور الموضع والفاعل معه كالجزء منه دخل الفاعل منه في اعتقاد تلخيصه مجروراً في اللفظ موضعه كما أن النون من إذن لما كانت بعض حرف جرى عليها ما يجري على الحرف المفرد من إبداله في الوقف ألفاً وذلك قولهم: لأقومن إذاً كما تقول: ضربت زيداً ومع النون الخفيفة للواحد: اضرباً.
فكما أجريت على بعض الحرف ما يجري على جميعه من القلب كذلك أجريت على بعض الفعل وهو الفاعل ما يجري على جميعه من الحكم.
ومما أجرى فيه بعض الحرف مجرى جميعه قوله: فبات متصباً وما تكردسا فأجرى منتصباً مجرى فخذ فأسكن ثانيه وعليه حكاية الكتاب: أراك منتفخاً.
ونحو من قوله: لما رآها الرآء في توهم جر الفاعل قول طرفة: وسديف حين هاج الصنبر كأنه أراد: الصنيبر ثم تصور معنى الإضافة فصار إلى أنه كأنه قال: حين هيج الصنبر ثم نقل الكسرة على حد مررت ببكر وأجرى صنَبِر من الصنّبر مجرى بكر على قوله: أراك منتفخاً.
وأعلى من هذا أن مجيء هذا البيت في هذه القصيدة مخالفاً لجميع أبياتها يدل على قوة شاعرها وشرف صناعته وأن ما وجد من تتالي قوافيها على جر مواضعها ليس شيئاً سعى فيه ولا أكره طبعه عليه وإنما هو مذهب قاده إليه علو طبقته وجوهر فصاحته.
وعلى ذلك ما أنشدناه أبو بكر محمد بن علي عن أبي إسحاق لعبيد من قوله: يا خليلي أربعاً واستخبرا ال منزل الدارس من أهل الحلال مثل سحق البرد عفى بعدك ال قطر مغناه وتأويب الشمال ولقد يغنى به جيرانك ال ممسكو منك بأسباب الوصال ثم أودى ودهم إذ أزمعوا ال بين والأيام حال بعد حال نحن قدنا من أهاضيب الملاال خيل في الأرسان أمثال السعالى شزبا يعسفن من مجهولة ال أرض وعثاً من سهول أو رمال فانتجعنا الحارث الأعرج في جحفل كالليل خطار العوالي يوم غادرنا عدياً بالقنا الن بل السمر صريعاً في المجال ثم عجناهن خوصاً كالقطا ال قاربات الماء من أين الكلال نحو قوص يوم جالت حوله ال خيل قباً عن يمين أو شمال كم رئيس يقدم الألف على السابح الأجرد ذي العقب الطوال قد أباحت جمعه أسيافنا ال بيض في البروعة من حي حلال ولنا دار ورثناها عن ال أقدم القدموس من ع وخال منزل دمنه آباؤنا ال مورثونا المجد في أولى الليالي ما لنا فيها حصون غير ما ال مقربات الخيل تعدو بالرجال في روابي عدملى شامخ ال أنف فيه إرث مجد وجمال فانتجعنا الحارث الأعرج في فصار هذا البيت الذي نقض القصيدة أن تمضى على ترتيب واحد هو أفخر ما فيها.
وذلك أنه دل على أن هذا الشاعر إنما تساند إلى ما في طبعه ولم يتجشم إلا ما في نهضته ووسعه من غير اغتصاب له ولا استكراه أجاءه إليه إذ لو كان ذلك على خلاف ما حددناه وأنه إنما صنع الشعر صنعاً وقابله بها ترتيباً ووضعاً لكان قمنا ألا ينقض ذلك كله بيت واحد يوهيه ويقدح فيه.
وهذا واضح.
وأما قول الآخر: قد جعل النعاس يغرنديني أدفعه عني ويسرنديني فلك فيه وجهان: إن شئت جعلت رويه النون وهو الوجه.
وإن شئت الياء وليس بالوجه.
وإن أنت جعلت النون هي الروى فقد التزم الشاعر فيها أربعة أحرف غير واجبة وهي الراء والنون والدال والياء.
ألا ترى أنه يجوز معها يعطيني ويرضيني ويدعوني ويغزوني ألا ترى أنك إذا جعلت الياء هي الروى فقد زالت الياء أن تكون ردفاً لبعدها عن الروى.
نعم وكذلك لما كانت النون روياً كانت الياء غير لازمة.
وإن أنت جعلت الياء الروى فقد التزم فيه خمسة أحرف غير لازمة وهي الراء والنون والدال والياء والنون لأن الواو يجوز معها ألا ترى أنه ومما يسأل عنه من هذا النحو قول الثقفي يزيد بن الحكم: وكم منزل لولاي طحت كما هوى بها بأجرامه من قلة النيق منهو التزم الواو والياء فيها كلها.
والجواب أنها واوية لأمرين: أحدهما أنك إذا جعلتها واوية كانت مطلقة ولو جعلتها يائية كانت مقيدة والشعر المطلق أضعاف المقيد والحمل إنما يجب أن يكون على الأكثر لا على الأقل.
والآخر أنه قد التزم الواو فإن جعلت القصيدة واوية فقد التزم واجباً وإن جعلتها يائية فقد التزم غير واجب واعتبرنا هذه اللغة وأحكامها ومقاييسها فإذا الملتزم أكثره واجب وأقله غير واجب والحمل على الأكثر دون الأقل.
فإن قلت: فإن هذه القلة أفخر من الكثرة ألا ترى أنها دالة على قوة الشاعر.
وإذا كانت أنبه وأشرف كان الآخذ يجب أن يكون بها ولم يحسن العدول عنها مع القدرة عليها.
وكما أن الحمل على الأكثر فكذلك يجب أن يكون الحمل على الأقوى أولى من الحمل على الأدنى.
قيل: كيف تضرفت الحال فينبغي أن يعمل على الأكثر لا على الأقل وإن كان الأقل أقوى قياساً ألا ترى إلى قوة قياس قول بني تميم في " ما " وأنها ينبغي أن تكون غير عاملة في أقوى القياسين عن سيبويه.
ومع ذا فأكثر المسموع عنهم إنما هو لغة أهل الحجاز وبها نزل القرآن.
وذلك أننا بكلامهم ننطق فينبغي أن يكون على ما استكثروا منه يحمل.
هذا هو قياس مذهبهم وطريق اقتفائهم.
ووجدت أكثر قافية رؤبة مجرورة الموضع.
وإذا تأملت ذلك وجدته.
أعني قوله: وقاتم الأعماق خاوي المخترق وقد التزم العجاج في رائيته: قد جبر الدين إلاله فجبر وذلك أنه التزم الفتح قبل رويها البتة.
ولعمري إن هذا مشروط في القوافي غير أنك قلما تجد قافية مقيدة إلا وأتت الحركات قبل رويها مختلفة وإنما المستحسن من هذه الرائية سلامتها مما لا يكاد يسلم منه غيرها.
فإن كانت المقيدة مؤسسة ازداد اختلاف الحركات قبل رويها قبحا.
وذلك أنه ينضاف إلى قبح اختلافه أن هناك تأسيساً ألا ترى أنه يقبح اختلاف الإشباع إذا كان الروى مطلقاً نحو قوله: فالفوارع مع قوله: فالتدافع.
فما ظنك إذا كان الروي مقيداً.
وقد أحكمنا هذا في كتابنا المعرب في شرح قوافي أبي الحسن.
وقد قال هميان بن قحافة: لما رأتني أم عمرو صدفت قد بلغت بي ذرأة فألحفت وهي تسعة وثلاثون بيتاً التزم في جميعها الفاء وليست واجبة وإن كانت قريبةً من صورة الوجوب.
وذلك أن هذه التاء في الفعل إذا صارت إلى الاسم صارت في الوقف هاء في قولك: صادفة وملحفة ومحلنقفة فإذا صارت هاء لم يكن الروي إلا ما قبلها فكأنها لما سقط حكمها مع الاسم من ذلك الفعل صارت في الفعل نفسه قريبة من ذلك الحكم.
وهذا الموضع لقطرب.
وهو جيد.
ومن ذلك تائية كثير: خليلي هذا ربع عزة فاعقلا لزم في جميعها اللام والتاء.
ومنه قول منظور: من لي من هجران ليلى من لي لزم اللام المشدد إلى آخرها.
وفي المحدثين من يسلك هذا الطريق وينبغي أن يكونوا إليه أقرب وبه أحجى إذ كانوا في صنعة الشعر أرحب ذراعاً وأوسع خناقاً لأنهم فيه متأنون وعليه متلومون و ليسوا بمرتجليه ولا مستكرهين فيه.
وقد كان ابن الرومي رام ذلك لسعة حفظه وشدة مأخذه.
فمن ذلك رائيته في وصف العنب وهي قوله: ورازقي مخطف الخصور كأنه مخازن البلور التزم فيها الواو البتة ولم يجاوزها غالباً.
وكذلك تائيته: أترفتها وخطرقتها وسفسفتها التزم فيها الفاء وليست بواجبة وكذلك ميميته التي يرثي بها أمه: أفيضا دَماً إن الرزايا لها قيَم أوجب على نفسه الفتحة قبل الميم على حد رائية العجاج: قد جبر الدين الإله فجبر غير أني أظن أن في هذه الميمية بيتاً ليس من قبل رويه مفتوحاً.
وأنشدني مرة بعض أحداثنا شيئاً سماه شعراً على رسم للمولدين في مثله غير أنه عندي أنا قوافٍ منسوقة غير محشوة في معنى قول سلم الخاسر: موسى القمر غيث بكر ثم انهمر وقول الآخر: قالت حيل شؤم الغزل هذا الرجل حين احتفل أهدى بصل والقوافي المنسوقة التي أنشدنيها صاحبنا هذا ميمية في وزن قوله: طيف ألم لا يحضرني الآن حفظها غير أنه التزم فيها الفتحة البتة إلا قافية واحدة وهو قوله: فاسلم ودم ورأيته قلقاً لاضطراره إلى مخالفة بقية القوافي بها فقلت له: لا عليك فلك أن تقول: فاسلم ودم أمرا من قولهم: دام يدام وهي لغة قال: يا مي لا غرو ولا ملاما في الحب إن الحب لن يداما فسر بذلك وقال: أسير بها إلى بلدي.
وأفضينا إلى هذا القدر لاتصاله با كنا عليه قال: وعند سعيد غير أن لم أبح به ذكرتك إن الأمر يذكر للأمر وأكثر هذه الالتزامات في الشعر لأنه يخطر على نفسه ما تبيحه الصنعة إياه إدلالاً وتغطرفاً واقتداراً وتعالياً.
وهو كثير.
وفيما أوردناه منه كاف.
فأما في غير الشعر فنحو قولك في جواب من سألك فقال لك: أي شيء عندك: زيد أو عمرو أو محمد الكريم أو علي العاقل.
فإنما جوابه الذي لا يقتضي السؤال غيره أن يجيبه بنكرة في غاية شياع مثلها فيقول: جسم.
ألا ترى أنه قد يجوز أن يكون في قوله: أي شيء عندك إنما أراد أن يستفصلك بين أن يكون عندك علم أو قراءة أو جود أو شجاعة وأن يكون عندك جسم ما.
فإذا قلت: جسم فقد فصلت بين أمرين قد كان يجوز أن يريد منك فصلك بينهما.
إلا أن جسماً وإن كان قد فصل بين المعنيين فإنه مبالغ في إبهامه.
فإن تطوعت زيادة على هذا قلت: حيوان.
وذلك أن حيواناً أخص من جسم كما أن جسماً أخض من شيء.
فإن تطوع شيئاً آخر قال في جواب أي شيء عندك: إنسان لأنه أخص من حيوان ألا تراك تقول: كل إنسان حيوان وليس كل حيوان إنساناً كما تقول: كل إنسان جسم وليس كل جسم إنساناً.
فإن تطوع بشيء آخر قال: رجل.
فإن زاد في التطوع شيئاً آخر قال: رجل عاقل أو نحو ذلك.
فإن تطوع شيئاً آخر قال: زيد أو عمرو أو نحو ذلك.
فهذا كله تطوع بما لا يوجبه سؤال هذا السائل.
ومنه قول أبي دواد: فقصرن الشتاء بعد عليه وهو للذود أن يقسمن جار فهذا جواب كم كأنه قال: كم قصرن عليه وكم ظرف ومنصوبة الموضع فكان قياسه أن يقول: ستة أشهر لأن كم سؤال عن قدر من العدد محصور فنكرة هذا كافية من معرفته ألا ترى أن قولك: عشرون والعشرون وعشروك ونحو ذلك فائدته في العدد واحدة لكن المعدود معرفة مرة ونكرة أخرى.
فاستعمل الشتاء وهو معرفة في جواب كم.
وهذا تطوع بما لا يلزم.
وليس عيباً بل هو زائد على المراد.
وإنما العيب أن يقصر في الجواب عن مقتضى السؤال فأما إذا زاد عليه فالفضل معه واليد له.
وجاز أن يكون الشتاء جواباً لكم من حيث كان عددا في المعنى ألا تراه ستة أشهر.
وافقنا أبو علي رحمه الله على هذا الموضع من الكتاب وفسره ونحن بحلب فقال: إلا في هذا البلد فإنه ثماية أشهر.
يريد طول الشتاء بها.
ومن ذلك قولك في جواب من قال لك: الحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفية: الحسن أو قولك: الحسين.
وهذا تطوع من المجيب بما لا يلزم.
وذلك أن جوابه على ظاهر سؤاله أن يقول له: أحدهما ألا ترى أنه لما قال له: الحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفية فكأنه قال: أ أحدهما أفضل أم ابن الحنفية فجوابه على ظاهر سؤاله أن يقول: أحدهما.
فقوله: الحسن أو قوله: الحسين فيه زيادة تطوع بها لم ينطو السؤال على استعلامها.
ونظير قوله في الجواب على اللفظ أن يقول: الحسن أو الحسين لأن قوله: أو الحسين بمنزلة أن يقول: أحدهما.
والجواب المتطوع فيه أن يقول: الحسن ويمسك أو أن يقول: الحسين ويمسك.
فأما إن كان كيسانياً فإنه يقول: ابن الحنفية هكذا كما ترى.
فإن قال: الحسن أفضل أم الحسين أو ابن الحنفية فقال: الحسن فهو جواب لا تطوع فيه.
فإن قال: أحدهما فهو جواب لا تطوع فيه أيضاً.
فإن قال: الحسين ففيه تطوع.
وكذلك إن قال: ابن الحنفية فقد تطوع أيضاً.
فإن قال: الحسن أو ابن الحنفية أفضل أم الحسين فقال له المجيب: الحسين فهو جواب لا تطوع فيه.
فإن قال: أحدهما فهو أيضاً جواب لا تطوع فيه.
فإن قال: الحسن أو قال: ابن الحنفية ناصاً على أحدهما معيناً فهو جواب متطوع فيه على ما بينا فيما قبل.
ومن التطوع المشام للتوكيد قول الله سبحانه: {إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ} {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} وقوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} وقولهم: مضى أمس الدابر وأمس المدبر.
وهو كثير.
وأنشد الأصمعي: وأبي الذي ترك الملوك وجمعهم بصهاب هامدةً كأمس الدابر وقال: خبلت غزالة قلبه بفوارسٍ تركت منازله كأمس الدابر ومن ذلك أيضاً الحال المؤكدة كقوله: كفى بالنأى من أسماء كاف لأنه إذا كفى فهو كاف لا محالة.
ومنه قولهم: أخذته بدرهم فصاعداً هذه أيضاً حال مؤكدة ألا ترى أن تقديره: فزاد الثمن صاعداً ومعلوم أنه إذا زاد الثمن لم يكن إلا صاعداً.
غير أن للحال هنا مزية عليها في قوله: كفى بالنأي من أسماء كاف لأن صاعدا ناب في اللفظ عن الفعل الذي هو زاد وكاف ليس بنائب في اللفظ عن شيء ألا ترى أن الفعل الناصب له ملفوظ به معه.
ومن الحال المؤكدة قول الله تعالى: {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} وقول ابن دارة: أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي وهو باب منقاد.
فأما قوله سبحانه: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} فيكون من هذا.
وقد يجوز أن يكون قوله سبحانه {بِجَنَاحَيْهِ} مفيداً.
وذلك أنه قد يقال في المثل: طاروا علاهن فشل علاها وقال آخر: وطرت بالرحل إلى شملة إلى أمون رحلةٍ فذلت ومن أبيات الكتاب: وقال القطامي: ونفخوا عن مدائنهم فطاروا وقال العجاج: طرنا إلى كل طوال أعوجا وقال العنبري: طاروا إليه زرافاتٍ وأحدانا وقال النابغة الذبياني: يطير فضاضاً بينها كل قونسٍ فيكون قوله تعالى: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} على هذا مفيداً أي ليس الغرض تشبيهه بالطائر ذي الجناحين بل هو الطائر بجناحيه البتة.
وكذلك قوله عز اسمه: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} قد يكون قوله من فوقعهم مفيداً.
وذلك أنه قد يستعمل في الأفعال الشاقة المستثقلة على قول من يقول: قد سرنا عشراً وبقيت علينا ليلتان وقد حفظت القرآن وبقيت علي منه سورتان وقد صمنا عشرين من الشهر وبقي علينا عشر.
وكذلك يقال في الاعتداد على الإنسان بذنوبه وقبيح أفعاله: قد أخرب علي ضيعتي وموت علي عواملي وأبطل علي انتفاعي.
فعلى هذا لو قيل: فخر عليهم السقف ولم يقل: من فوقهم لجاز أن يظن به أنه كقولك: قد خربت عليهم دارهم وقد أهلكت عليهم مواشيهم وغلاتهم وقد تلفت عليهم تجاراتهم.
فإذا قال: من فوقهم زال ذلك المعنى المحتمل وصار معناه أنه سقط وهم من تحته.
فهذا معنى غير الأول.
وإنما اطردت على في الأفعال التي قدمنا ذكرها مثل خربت عليه ضيعته وموتت عليه عوامله ونحو ذلك من حيث كانت على في الأصل للاستعلاء.
فلما كانت هذه الأحوال كلفاً ومشاق تخفض الإنسان وتضعه و تعلوه وتفرعه حتى يخضع لها ويخنع لما يتسداه منها كان ذلك من مواضع على ألا تراهم يقولون: هذا لك وهذا عليك فتستعمل اللام فيما تؤثره وعلى فيما تكرهه قالت: سأحمل نفسي على آلة فإما عليها وإما لها وقال ابن حلزة: فله هنا لك لا عليه إذا دنعت أنوف القوم للتعس فمن هنا دخلت على هذه في هذه الأفعال التي معناها إلى الإخضاع والإذلال.
وما يتطوع به من غير وجوب كثير.
وفيما مضى منه كاف ودال عليه بإذن الله.
باب في التام يزاد عليه فيعود ناقصا
هذا موضع ظاهره ظاهر التناقض ومحصوله صحيح واضح.
وذلك قولك: قام زيد فهذا كلام تام فإن زدت عليه فقلت: إن قام زيد صار شرطاً واحتاج إلى جواب.
وكذلك قولك: زيد منطلق فهذا كلام مستقل فإذا زاد عليه أن المفتوحة فقال أن زيداً منطلق احتاج إلى عامل يعمل في أن وصلتها فقال: بلغني أن زيداً منطلق ونحوه.
وكذلك قولك: زيد أخوك فإن زدت عليه أعلمت لم تكتف بالاسمين فقلت: أعلمت بكراً زيداً أخاك.
وجماع هذا أن كل كلام مستقل زدت عليه شيئاً غير معقود بغيره ولا مقتض أسواه فالكلام باق على تمامه قبل المزيد عليه.
فإن زدت عليه شيئاً مقتضياً لغيره معقوداً به عاد الكلام ناقصاً لا لحاله الأولى بل لما دخل عليه معقوداً بغيره.
فنظير الأول قولك: زيد قائم وما زيد قائم وقائماً على اللغتين وقولك: قام محمد وقد قام محمد وما قام محمد وهل قام محمد وزيد أخوك وإن زيداً أخوك وكان زيد أخاك ونظير الثاني ما تقدم من قولنا: قام زيد وإن قام زيد.
فإن جعلت إن هنا نفياً بقي على تمامه ألا تراه بمعنى ما قام زيد.
ومن الزائد العائد بالتمام إلى النقصان قولك: يقوم زيد فإن زدت اللام والنون فقلت: ليقومن زيد فهو محتاج إلى غيره وإن لم يظهر هنا في اللفظ ألا ترى أن تقديره عند الخليل أنه جواب قسم أي أقسم ليقومن أو نحو ذلك.
فاعرف ذلك إلى ما يليه.
باب في زيادة الحروف وحذفها
وكلا ذينك ليس بقياس لما سنذكره.
أخبرنا أبو علي رحمه الله قال قال أبو بكر: حذف الحروف ليس بالقياس.
قال: وذلك أن الحروف إنما دخلت الكلام لضرب من الاختصار فلو ذهبت تحذفها لكنت مختصراً لها هي أيضاً واختصار المختصر إجحاف به.
تمت الحكاية.
تفسير قوله: إنما دخلت الكلام لضرب من الاختصار هو أنك إذا قلت: ما قام زيد فقد أغنت " ما " عن " أنفى " وهي جملة فعل وفاعل.
وإذا قلت: قام القوم إلا زيداً فقد نابت " إلا " عن " أستثنى " وهي فعل وفاعل.
وإذا قلت قام زيد وعمرو فقد نابت الواو عن أعطف.
وإذا قلت: ليت لي مالاً فقد نابت ليت عن أتمنى.
وإذا قلت: هل قام أخوك فقد نابت " هل " عن أستفهم.
وإذا قلت: ليس زيد بقائم فقد نابت الباء عن حقاً والبتة وغير ذي شك.
وإذا قلت فيما نقضهم ميثاقهم فكأنك قلت: فبنقضهم ميثاقهم فكأنك قلت: فبنقضهم ميثاقهم فعلنا كذا حقاً أو يقينا.
وإذا قلت: أمسكت بالحبل فقد نابت الباء عن قولك: أمسكته مباشرا له وملاصقة يدي له.
وإذا قلت: أكلت من الطعام فقد نابت " من " عن البعض أكلت بعض الطعام.
وكذلك بقية ما لم نسمه.
فإذا كانت هذه الحروف نوائب عما هو أكثر منها من الجمل وغيرها لم يجز من بعد ذا أن تتخرق عليها فتنتهكها وتجحف بها.
ولأجل ما ذكرنا: من إرادة الاختصار بها لم يجز أن تعمل في شيء من الفضلات: الظرف والحال والتمييز والاستثناء وغير ذلك.
وعلته أنهم قد أنابوها عن الكلام الطويل لضرب من الاختصار فلو ذهبوا يعملونها فيما بعد لنقضوا ما أجمعوه وتراجعوا عما اعتزموه.
فلهذا لا يجوز ما زيد أخوك قائماً حالاً منك أي أنفى هذا في حال قيامي ولا حالا من زيد أي أنفى هذا عن زيد في حال قيامه.
ولا هل زيد أخوك يوم الجمعة على أن تجعل يوم الجمعة ظرفاً لما دلت عليه هل من معنى الاستفهام.
فإن قلت: فقد أجازوا ليت زيداً أخوك قائماً ونحو ذلك فنصبوه بما في ليت من معنى التمني وقال النابغة: كأنه خارجا من جنب صفحته سفود شرب نسوه عند مفتأد فنصب خارجاً على الحال بما في كأن من معنى التشبيه وأنشد أبو زيد: فأعمل معنى التشبيه في كأن في الظرف الزماني الذي هو لما التقينا.
قيل: إنما جاز ذلك في " ليت " و " كأن " لما اجتمع فيهما: وهو أن كل واحدة منهما فيها معنى الفعل من التمني والتشبيه وأيضاً فكل واحدة منهما رافعة وناصبة كالفعل القوي المتعدي وكل واحدة منهما متجاوزة عدد الاثنين فأشبهت بزيادة عدتها الفعل وليس كذلك ما كان على حرف ولا ما كان على حرفين لأنه لم يجتمع فيه ما اجتمع في ليت ولعل.
ولهذا كان ما ذهب إليه أبو العباس: من أن إلا في الاستثناء هي الناصبة لأنها نابت عن أستثنى ولا أعني مردوداً عندنا لما في ذلك من تدافع الأمرين: الإعمال المبقى حكم الفعل والانصراف عنه إلى الحرف المختصر به القول.
نعم وإذا كانت هذه الحروف تضعف وتقل عن العمل في الظروف كانت من العمل في الأسماء الصريحة القوية التي ليست ظروفا ولا أحوالا ولا تمييزا لاحقاً بالحال اللاحقة بالظروف أبعد.
فإن قلت: فقد قالوا: يا عبد الله ويا خيرا من زيد فأعملوا يا في الاسم الصريح وهي حرف فكيف القول في ذلك قيل: ليا في هذه خاصة في قيامها مقام الفعل ليست لسائر الحروف.
وذلك أن هل تنوب عن أستفهم وما تنوب عن أنفى وإلا تنوب عن أستثنى وتلك الأفعال النائبة عنها هذه الحروف هي الناصبة في الأصل.
فلما انصرفت عنها إلى الحروف طلباً للإيجاز ورغبة عن الإكثار أسقطت عمل تلك الأفعال ليتم لك ما انتحيته من الاختصار.
وليس كذلك يا.
وذلك أن يا نفسها هي العامل الواقع على زيد وحالها في ذلك حال أدعو وأنادي في كون كل واحد منهما هو العامل في المفعول وليس كذلك ضربت وقتلت ونحوه.
وذلك أن قولك: ضربت زيداً وقلت عمرا الفعل الواصل إليهما المعبر بقولك: ضربت عنه ليس هو نفس " ض ر ب " إنما ثم أحدث هذه الحروف دلالة عليها وكذلك القتل والشتم والإكرام ونحو ذلك.
وقولك: أنادي عبد الله وأدعو عبد الله ليس هنا فعل واقع على عبد الله غير هذا اللفظ و " يا " نفسها في المعنى كأدعو ألا ترى أنك إنما تذكر بعد يا اسماً واحداً كما تذكره بعد الفعل المستقل بفاعله إذا كان متعدياً إلى مفعول واحد كضربت زيداً ولقيت قاسماً وليس كذلك حرف الاستفهام وحرف النفي إنما تدخلهما على الجمل المستقلة فتقول: ما قام زيد وهل قام أخوك.
فلما قويت " يا " في نفسها وأوغلت في شبه الفعل تولت بنفسها العمل.
فإن قلت: فإنما تذكر بعد إلا اسماً واحداً أيضاً قيل: الجملة قبل إلا منعقدة بنفسها وإلا فضلة فيها.
وليس كذلك يا لأنك إذا قلت: يا عبد الله تم الكلام بها وبمنصوب بعدها فوجب أن تكون هي كأنها الفعل المستقل بفاعله والمنصوب هو المفعول بعدها فهي في هذا الوجه كرويد ومن وجه آخر أن قولك: يا زيد لما اطرد فيه الضم وتم به القول جرى مجرى ما ارتفع بفعله أو بالابتداء فهذا أدون حالي يا أعنى أن يكون كأحد جزأي الجملة.
وفي القول الأول هي جارية مجرى الفعل مع فاعله.
فلهذا قوى حكمها وتجاوزت رتبة الحروف التي إنما هي ألحاق وزوائد على الجمل.
فلذلك عملت يا ولم تعمل هل ولا ما ولا شيء من ذلك النصب بمعنى الفعل الذي دلت عليه ونابت عنه.
ولذلك ما وصلت تارة بنفسها في قولك: يا عبد الله وأخرى بحرف الجر نحو قوله: يا لبكر فجرت في ذلك مجرى ما يصل من الفعل تارة بنفسه وأخرى بحرف الجر نحو قوله: خشنت صدره وبصدره وجئت زيداً وجئت إليه واخترت الرجال ومن الرجال وسميته زيداً وبزيد وكنيته أبا علي وبأبي علي.
فإن قلت: فقد قال الله سبحانه { ألا يا اسجدوا } وقد قال غيلان: ألا يا أسلمي يا دارمي على البلى وقال: يا دار هند يا أسلمي ثم أسلمي فجاء بيا ولا منادى معها قيل: يا في هذه الأماكن قد جردت من معنى النداء وخلصت تنبيهاً.
ونظيرها في الخلع من أحد المعنيين وإفراد الآخر: ألا لها في الكلام معنيان: افتتاح الكلام والتنبيه نحو قول الله سبحانه: {أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ} وقوله تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} وقول كثير: ألا إنما ليلى عصا خيزرانة فإذا دخلت على " يا " خلصت " ألا " افتتاحاً وخص التنبيه بيا.
وذلك كقول نصيب: ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد فقد زادني مسراك وجدا على وجد فقد صح بما ذكرناه إلى أن قادنا إلى هنا أن حذف الحروف لا يسوغه القياس لما فيه من الانتهاك والإجحاف.
وأما زيادتها فخارج عن القياس أيضاً.
وذلك أنه إذا كانت إنما جيء بها اختصاراً وإيجازاً كانت زيادتها نقضا لهذا الأمر وأخذا له بالعكس والقلب ألا ترى أن الإيجاز ضد الإسهاب ولذلك لم يجز أبو الحسن توكيد الهاء المحذوفة من صلة الذي في نحو الذي ضربت زيد فأفسد أن تقول: الذي ضربت نفسه زيد.
قال: لأن ذلك نقض من حيث كان التوكيد إسهاباً الحذف إيجازاً.
وذلك أمر ظاهر التدافع.
هذا هو القياس: ألا يجوز حذف الحروف ولا زيادتها.
ومع ذلك فقد حذفت تارة وزيدت أما حذفها فكنحو ما حكاه أبو عثمان عن أبي زيد من حذف حرف العطف في نحو قولهم: أكلت لحماً سمكاً تمراً.
وأنشدني أبو الحسن: كيف أصبحت كيف أمسيت مما يزرع الود في فؤاد الكريم يريد: كيف أصبحت وكيف أمسيت.
وأنشد ابن الأعرابي: وكيف لا أبكي على علاتي صبائحي غبائقي قيلاتي أي صبائحي وغبائقي وقيلاتي.
وقد يجوز أن يكون بدلاً أي كيف لا أبكي على علاتي التي هي صبائحي وهي غبائقي وهي قيلاتي فيكون هذا من بدل الكل.
والمعنى الأول أن منها صبائحي ومنها غبائقي ومنها قيلاتي.
ومن ذلك ما كان يعتاده رؤبة إذا قيل له: كيف أصبحت فيقول: خير عافاك أي بخير وحكى سيبويه: الله لا أفعل يريد والله.
ومن أبيات الكتاب: من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان أي فالله يشكرها.
وحذفت همزة الاستفهام نحو قوله: فأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر أتوني وقالوا: من ربيعة أو مضر طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب ولا لعباً مني وذو الشيب يلعب أراد: أو ذو الشيب يلعب.
ومنه قول ابن أبي ربيعة: ثم قالوا تحبها قلت بهراً عدد القطر والحصى والتراب أظهر الأمرين فيه أن يكون أراد: أتحبها لأن البيت الذي قبله يدل عليه وهو قوله: أبرزوها مثل المهاة تهادى بين خمس كواعب أتراب ولهذا ونحوه نظائر.
وقد كثرت.
فأما تكريرها وزيادتها فكقوله: لددتهم النصيحة كل لد فمجوا النصح ثم ثنوا فقاءوا فلا والله لا يلفي لما بي ولا للمابهم أبدا دواء وقد كثرت زيادة ما توكيدا كقول الله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} وقوله سبحانه {عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} وقوله عز قدره {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا}.
وقال جل وعز: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فالباء زائدة وأنشد أبو زيد: بحسبك في القوم أن يعلموا بأنك فقيهم غني مضر فزاد الباء في المبتدأ.
وأنشد لأمية: فإن لتوكيد النفي كقول زهير: ما إن يكاد يخليهم لوجهتهم ولا من بعدها زائدة.
وزيدت اللام في قوله رويناه عن أحمد بن يحيى: مروا عجالاً وقالوا كيف صاحبكم قال الذي سألوا أمسى لمجهودا وفي قراءة سعيد بن جبير {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} وقد تقدم ذكر ذلك.
وزيدت لا قال أبو النجم: ولا ألوم البيض ألا تسخرا وقد رأين الشمط القفندرا وقال العجاج: بغير لا عصفٍ لا اصطراف وأنشدنا: أبي جوده لا البخل واستعجلت به نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله فهذا على زيادة لا أي أبي جوده البخل.
وقد يجوز أن تكون لا منصوبة الموضع بأبي والبخل وزيادة الحروف كثير وإن كانت على غير قياس كما أن حذف المضاف أوسع وأفشى وأعم وأوفى وإن كان أبو الحسن قد نص على ترك القياس عليه.
فأما عذر حذف هذه الحروف فلقوة المعرفة بالموضع ألا ترى إلى قول امرئ القيس: فقلت: يمين الله أبرح قاعدا لأنه لو أراد الواجب لما جاز لأن أبرح هذه لا تستعمل في الواجب فلا بد من أن يكون أراد: لا أبرح.
ويكفي من هذا قولهم: رب إشارة أبلغ من عبارة.
وأما زيادتها فلإرادة التوكيد بها.
وذلك أنه قد سبق أن الغرض في استعمالها إنما هو الإيجاز والاختصار والاكتفاء من الأفعال وفاعليها فإذا زيد ما هذه سبيله فهو تناه في التوكيد به.
وذلك كابتذالك في ضيافة ضيفك أعز ما تقدر عليه وتصونه من أسبابك فذاك غاية إكرامك له وتناهيك في الحفل به.
باب في زيادة الحرف عوضاً من آخر محذوف
اعلم أن الحرف الذي يحذف فيجاء بآخر عوضاً منه على ضربين: أحدهما أصلى والآخر زائد.
الأول من ذلك على ثلاثة أضرب: فاء عين لام.
أما ما حذفت فاؤه وجيء بزائد عوضا منه فباب فعله في المصادر نحو عدة وزنة وشية وجهة.
والأصل وعدة ووزنة ووشية ووجهة فحذفت الفاء لما ذكر في تصريف ذلك وجعلت التاء بدلاً من الفاء.
ويدل على أن أصله ذلك قول الله سبحانه: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} وأنشد أبو زيد: ألم تر أنني ولكل شيء إذا لم تؤت وجهته تعاد أطعت الآمري بصرم ليلى ولم أسمع بها قول الأعادي وقد حذفت الفاء في أناس وجعلت ألف فعال بدلاً منها فقيل ناس ومثالها عال كما أن مثال عدة وزنة علة.
وقد حذفت الفاء وجعلت تاء افتعل عوضاً منها وذلك قولهم: تقي يقتي والأصل اتقى يتقي فحذفت التاء فبقي تقي ومثاله تعل ويتقي: يتعل قال الشاعر: جلاها الصيقلون فأخلصوها خفافاً كلها يتقي بأثر وقال أوس: زيادتنا نعمان لا تنسينها تق الله فينا والكتاب الذي تتلو ومنه أيضاً قولهم تجه يتجه وأصله اتجه ومثال تجه على هذا تعل كتقى سواء.
وروى أبو زيد أيضاً فيما حدثنا به أبو علي عنه: تجه يتجه فهذا من لفظ آخر وفاؤه تاء.
وأنشدنا: قصرت له القبيلة اذتجهنا وما ضاقت بشدته ذراعي فهذا محذوف من اتجه كاتقى.
فأما قولهم: اتخذت فليست تاؤه بدلاً من شيء بل هي فاء أصلية بمنزلة اتبعت من تبع.
يدل على ذلك ما أنشده الأصمعي من قوله: وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها نسيفاً كأفحوص القطاة المطرق وعليه قول الله سبحانه {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} وذهب أبو إسحاق إلى أن اتخذت كاتقيت واتزنت وأن الهمزة أجريت في ذلك مجرى الواو.
وهذا ضعيف إنما جاء منه شيء في داره تقسم الأزواد بينهم كأنما أهله منها الذي اتهلا وروى لها أبو علي عن أبي الحسن علي بن سليمان متمن.
وأنشد: .
.
.
.
.
.
.
.
.
بيض اتمن والذي يقطع على أبي إسحاق قول الله عز وجل {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا}.
فكما أن تجه ليس من لفظ الوجه كذلك ليس تخذ من لفظ الأخذ.
وعذر من قال: اتمن واتهل من الأهل أن لفظ هذا إذا لم يدغم يصير إلى صورة ما أصله حرف لين.
وذلك قولهم في افتعل من الأكل: ايتكل ومن الإزرة: ايتزر.
فأشبه حينئذ ايتعد في لغة من لم يبدل الفاء تاء فقال: اتهل واتمن لقول غيره: ايتهل وايتمن.
وأجود اللغتين إقرار الهمز قال الأعشى: أبا ثبيتٍ أما تنفك تأتكل وكذلك ايتزر يأتزر.
فأما اتكلت عليه فمن الواو على الباب لقولهم الوكالة والوكيل.
وقد ذكرنا هذا الموضع في كتابنا في شرح تصريف أبي عثمان.
وقد حذفت الفاء همزة وجعلت ألف فعال بدلاً منها وذلك قوله.
وأما ما حذفت عينه وزيد هنا حرف عوضاً منها فأينق في أحد قولي سيبويه.
وذلك أن أصلها أنوق فأحد قوليه فيها أن الواو التي هي عين حذفت وعوضت منها ياء فصارت: أنيق.
ومثالها في هذا القول على اللفظ: أيفُل.
والآخر أن العين قدمت على الفاء فأبدلت ياء.
ومثالها على هذا أغفُل.

تسجيل الدخول
يوجد 4042 زائر و 1 عضو حالياً
كتّاب عراقيون من أجل الحرية |
العربية وادابها
|
كتب
|