عماد عبود عباس |
جورجينا بهنام |
ولاء السامرائي |
هيثم هاشم |
فهمي هويدي |
عمار عبد الكريم |
نوري جاسم المياحي |
د. صادق السامرائي |
د. صادق السامرائي |
هيثم هاشم |
قاسم بلشان التميمي |
هيثم هاشم |
أحمد بن علي العسقلاني
ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثا" وقد تقدم في كتاب العلم من طريق أبي جحفية "قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر". والجمع بين هذه الأخبار أن الصحيفة المذكورة كانت مشتملة على مجموع ما ذكر، فنقل كل راو بعضها، وأتمها سياقا طريق أبي حسان كما ترى، والله أعلم. قوله: "المدينة حرم"
(4/85)
________________________________________
كذا أورده مختصرا، وسيأتي في الجزية بزيادة في أوله قال فيها "الجراحات وأسنان الإبل". قوله: "من أحدث فيها حدثا" يقيد به مطلق ما تقدم في رواية قيس بن عباد، وأن ذلك يختص بالمدينة لفضلها وشرفها. قوله: "لا يقبل منه صرف ولا عدل" بفتح أولهما، واختلف في تفسيرهما فعند الجمهور الصرف الفريضة والعدل النافلة، ورواه ابن خزيمة بإسناد صحيح عن الثوري، وعن الحسن البصري بالعكس، وعن الأصمعي الصرف التوبة والعدل الفدية، وعن يونس مثله لكن قال: الصرف الاكتساب، وعن أبي عبيدة مثله لكن قال: العدل الحيلة وقيل المثل، وقيل الصرف الدية والعدل الزيادة عليها، وقيل بالعكس، وحكى صاحب "المحكم" الصرف الوزن والعدل الكيل، وقيل الصرف القيمة والعدل الاستقامة، وقيل الصرف الدية والعدل البديل، وقيل الصرف الشفاعة والعدل الفدية لأنها تعادل الدية وبهذا الأخير جزم البيضاوي، وقيل الصرف الرشوة والعدل الكفيل، قاله أبان بن ثعلب وأنشد: لا نقبل الصرف وهاتوا عدلا فحصلنا على أكثر من عشرة أقوال، وقد وقع في آخر الحديث في رواية المستملى "قال أبو عبد الله: عدل فداء" وهذا موافق لتفسير الأصمعي، والله أعلم. قال عياض: معناه لا يقبل قبول رضا وإن قبل قبول جزاء، وقيل يكون القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بهما، وقد يكون معنى الفدية أنه لا يجد يوم القيامة فدى يفتدى به بخلاف غيره من المذنبين بأن يفديه من النار بيهودي أو نصراني كما رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري. وفي الحديث رد لما تدعيه الشيعة بأنه كان عند علي وآل بيته من النبي صلى الله عليه وسلم أمور كثيرة أعلمه بها سرا تشتمل على كثير من قواعد الدين وأمور الإمارة. وفيه جواز كتابة العلم. قوله: "ذمة المسلمين واحدة" أي أمانهم صحيح فإذا أمن الكافر واحد منهم حرم على غيره التعرض له. وللأمان شروط معروفة. وقال البيضاوي: الذمة العهد، سمي بها لأنه يذم متعاطيها على إضاعتها. وقوله يسعى 1بها أي يتولاها ويذهب ويجئ، والمعنى أن ذمة المسلمين سواء صدرت من واحد أو أكثر شريف أو وضيع، فإذا أمن أحد من المسلمين كافرا وأعطاه ذمة لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحر والعبد، لأن المسلمين كنفس واحدة، وسيأتي البحث في ذلك في كتاب الجزية والموادعة. وقوله: "فمن أخفر" بالخاء المعجمة والفاء أي نقض العهد، يقال خفرته بغير ألف: أمنته، وأخفرته: نقضت عهده. قوله: "ومن يتولى قوما بغير إذن مواليه" لم يجعل الأذن شرطا لجواز الادعاء، وإنما هو لتأكيد التحريم، لأنه إذا استأذنهم في ذلك منعوه وحالوا بينه وبين ذلك، قاله الخطابي وغيره، ويحتمل أن يكون كنى بذلك عن بيعه، فإذا وقع بيعه جاز له الانتماء إلى مولاه الثاني وهو غير مولاه الأول، أو المراد موالاة الحلف فإذا أراد الانتقال عنه لا ينتقل إلا بإذن. وقال البيضاوي: الظاهر أنه أراد به ولاء العتق لعطفه على قوله: "من ادعى إلى غير أبيه" والجمع بينهما بالوعيد، فإن العتق من حيث أنه لحمة كلحمة النسب، فإذا نسب إلى غير من هو له كان كالدعي الذي تبرأ عمن هو منه وألحق نفسه بغيره فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والإبعاد عن الرحمة. ثم أجاب عن الإذن بنحو ما تقدم وقال: ليس هو للتقييد، وإنما هو للتنبيه على ما هو المانع، وهو إبطال حق مواليه. فأورد الكلام على ما هو الغالب. وسيأتي البحث في ذلك في كتب الفرائض إن شاء الله تعالى. "تنبيه": رتب المصنف أحاديث الباب ترتيبا حسنا، ففي حديث أنس التصريح بكون المدينة حرما، وفي حديثه الثاني تخصيص النهي
ـــــــ
1 في هامش طبعة بولاق: وقوله يسعى الخ لعل وقعت له نسخة نصها ذمة المسلمين واحدة يسعى أدناهم فمن أخفر الخ .
(4/86)
________________________________________
عن قطع الشجر بما لا ينبته الآدميون، وفي حديث أبي هريرة بيان ما أجمل من حد حرمها في حديث أنس حيث قال كذا وكذا، فبين في هذا أنه ما بين الحرتين، وفي حديث على زيادة تأكيد التحريم وبيان حد الحرم أيضا.
(4/87)
________________________________________
باب فضل المدينة و النها تنفى الناس
...
2 - باب فَضْلِ الْمَدِينَةِ وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ
1871- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ"
قوله: "باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس" أي الشرار منهم، وراعى في الترجمة لفظ الحديث، وقرينة إرادة الشرار من الناس ظاهرة من التشبيه الواقع في الحديث، والمراد بالنفي الإخراج، ولو كانت الرواية تنقي بالقاف لحمل لفظ الناس على عمومه. وقد ترجم المصنف بعد أبواب "المدينة تنفي الخبث". قوله: "عن يحيى بن سعيد" هو الأنصاري وشيخه أبو الحباب بضم المهملة وبالموحدتين الأولى خفيفة، والإسناد كله مدنيون إلا شيخ البخاري، قال ابن عبد البر: اتفق الرواة عن مالك على إسناده إلا إسحاق بن عيسى الطباع فقال: "عن مالك عن يحيى عن سعيد بن المسيب" بدل سعيد بن يسار، وهو خطأ. قلت: وتابعه أحمد بن عمر عن خالد السلمي عن مالك، وأخرجه الدار قطني في "غرائب مالك" وقال هذا وهم والصواب عن يحيى عن سعيد بن يسار. قوله: "أمرت بقرية" أي أمرني ربي بالهجرة إليها أو سكناها فالأول محمول على أنه قاله بمكة، والثاني على أنه قاله بالمدينة. قوله: "تأكل القرى" أي تغلبهم. وكنى بالأكل عن الغلبة لأن الآكل غالب على المأكول. ووقع في "موطأ ابن وهب" : قلت لمالك ما تأكل القرى؟ قال: تفتح القرى. وبسطه ابن بطال فقال: معناه يفتح أهلها القرى فيأكلون أموالهم ويسبون ذراريهم. قال: وهذا من فصيح الكلام. تقول العرب: أكلنا بلد كذا إذا ظهروا عليها. وسبقه الخطابي إلى معنى ذلك أيضا. وقال النووي: ذكروا في معناه وجهين، أحدهما هذا والآخر أن أكلها وميرتها من القرى المفتتحة وإليها تساق غنائمها. وقال ابن المنير في الحاشية: يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها، ومعناه أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكاد تكون عدما. قلت: والذي ذكره احتمالا ذكره القاضي عبد الوهاب فقال: لا معنى لقوله تأكل القرى إلا رجوح فضلها عليها وزيادتها على غيرها، كذا قال. ودعوى الحصر مردودة لما مضى، ثم قال ابن المنير: وقد سميت مكة أم القرى، قال: والمذكور للمدينة أبلغ منه لأن الأمومة لا تنمحي إذا وجدت ما هي له أم، لكن يكون حق الأم أظهر وفضلها أكثر. قوله: "يقولون يثرب وهي المدينة" أي أن بعض المنافقين يسميها يثرب، واسمها الذي يليق بها المدينة. وفهم بعض العلماء من هذا كراهة تسمية المدينة يثرب وقالوا: ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين. وروى أحمد من حديث البراء بن عازب رفعه: "من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة هي طابة" وروى عمر بن شبة من حديث أبي أيوب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال للمدينة يثرب" ولهذا قال عيسى بن دينار من المالكية: من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة. قال: وسبب هذه الكراهة لأن يثرب إما من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة، أو من الثرب وهو الفساد، وكلاهما مستقبح، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح. وذكر أبو إسحاق
(4/87)
________________________________________
الزجاج في مختصره وأبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم" أنها سميت بترب باسم يثرب بن قانية ابن مهلايل بن عيل بن عيص بن إرم بن سام بن نوح لأنه أول من سكنها بعد العرب، ونزل أخوه خيبور خيبر فسميت به، وسقط بعض الأسماء من كلام البكري. قوله: "تنفي الناس" قال عياض: وكأن هذا مختص بزمنه لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه بها إلا من ثبت إيمانه. وقال النووي: ليس هذا بظاهر، لأن عند مسلم: "لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد" وهذا والله أعلم زمن الدجال. انتهى. ويحتمل أن يكون المراد كلا من الزمنين، وكان الأمر في حياته صلى الله عليه وسلم كذلك للسبب المذكور، ويؤيده قصة الأعرابي الآتية بعد أبواب فإنه صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الحديث معللا به خروج الأعرابي وسؤاله الإقالة عن البيعة، ثم يكون ذلك أيضا في آخر الزمان عندما ينزل بها الدجال فترجف بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه كما سيأتي بعد أبواب أيضا، وأما ما بين ذلك فلا. قوله: "كما ينفي الكير" بكسر الكاف وسكون التحتانية، وفيه لغة أخرى كور بضم الكاف، والمشهور بين الناس أنه الزق الذي ينفخ فيه لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير حانوت الحداد والصائغ. قال ابن التين: وقيل الكير هو الزق والحانوت هو الكور. وقال صاحب "المحكم" : الكير الزق الذي ينفخ فيه الحداد. ويؤيد الأول ما رواه عمر بن شبة في "أخبار المدينة" بإسناد له إلى أبي مودود قال: رأى عمر بن الخطاب كير حداد في السوق فضربه برجله حتى هدمه. والخبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة أي وسخه الذي تخرجه النار، والمراد أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل، بل تميزه عن القلوب الصادقة وتخرجه كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده. ونسبة التمييز للكير لكونه السبب الأكبر في اشتعال النار التي يقع التمييز بها. واستدل بهذا الحديث على أن المدينة أفضل البلاد. قال المهلب: لأن المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام فصار الجميع في صحائف أهلها، ولأنها تنفي الخبث وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة فالفضل ثابت للفريقين ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين، وعن الثاني بأن ذلك إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى: { وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ } والمنافق خبيث بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النبي صلى الله عليه وسلم معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة ثم علي وطلحة والزبير وعمار وآخرون وهم من أطيب الخلق، فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ووقت دون وقت. قال ابن حزم: لو فتحت بلد من بلد فثبت بذلك الفضل للأولى للزم أن تكون البصرة أفضل من خراسان وسجستان وغيرهما مما فتح من جهة البصرة وليس كذلك، وسيأتي مزيد لهذا في كتاب الاعتصام.
(4/88)
________________________________________
3 - باب الْمَدِينَةُ طَابَةٌ
1872- حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان قال حدثني عمرو بن يحيى عن عباس بن سهل بن سعد عن أبي حميد رضي الله عنه ثم أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك حتى أشرفنا على المدينة فقال هذه طابة"
قوله: "باب المدينة طابة" أي من أسمائها إذ ليس في الحديث أنها لا تسمى بغير ذلك، وذكر فيه طرفا من حديث أبي حميد الساعدي وقد مضى مطولا في أواخر الزكاة، ووقع في بعض طرقه طابة وفي بعضها طيبة، وروى مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعا: "أن الله سمى المدينة طابة" ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن
(4/88)
________________________________________
سماك بلفظ: "كانوا يسمون المدينة يثرب، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم طابة" وأخرجه أبو عوانة، والطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشيء الطيب، وقيل لطهارة تربتها، وقيل لطيبها لساكنها، وقيل من طيب العيش بها. وقال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية، لأن من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها. وقرأت بخط أبي على الصدفي في هامش نسخته من صحيح البخاري بخطه: قال الحافظ أمر المدينة في طيب ترابها وهوائها يجده من أقام بها، ويجد لطيبها أقوى رائحة، ويتضاعف طيبها فيها عن غيرها من البلاد، وكذلك العود وسائر أنواع الطيب. وللمدينة أسماء غير ما ذكر، منها ما رواه عمر بن شبة في "أخبار المدينة" من رواية زيد بن أسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "للمدينة عشرة أسماء، هي: المدينة، وطابة، وطيبة، والمطيبة، والمسكينة، والدار، وجابرة، ومجبورة، ومنيرة، ويثرب" . ومن طريق محمد بن أبي يحيى قال: "لم أزل أسمع أن للمدينة عشرة أسماء، هي: المدينة، وطيبة، وطابة، والمطيبة، والمسكينة، والمدري، والجابرة، والمجبورة، والمحببة، والمحبوبة". ورواه الزبير في "أخبار المدينة" من طريق ابن أبي يحيى مثله وزاد: "والقاصمة" ومن طريق أبي سهل بن مالك عن كعب الأحبار قال: نجد في كتاب الله الذي أنزل على موسى: أن الله قال للمدينة يا طيبة ويا طابة ويا مسكينة لا تقبلي الكنوز، أرفع أجاجيرك على القرى. وروى الزبير في "أخبار المدينة" من حديث عبد الله بن جعفر قال: سمى الله المدينة الدار والإيمان. ومن طريق عبد العزيز الدراوردي قال: بلغني أن لها أربعين اسما.
(4/89)
________________________________________
4 - باب لاَبَتَيْ الْمَدِينَةِ
1873- حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول ثم لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها حرام"
قوله: "باب لابتي المدينة" ذكر فيه حديث أبي هريرة "لو رأيت الظباء ترتع - أي تسعى أو ترعى - بالمدينة ما ذعرتها" أي ما قصدت أخذها فأخفتها بذلك، وكنى بذلك عن عدم صيدها. واستدل أبو هريرة بقوله صلى الله عليه وسلم: "ما بين لابتيها - أي المدينة - حرام" لأن المراد بذلك المدينة لأنها بين لابتين شرقية وغربية، ولها لابتان أيضا من الجانبين الآخرين إلا أنهما يرجعان إلى الأولين لاتصالهما بهما. والحاصل أن جميع دورها كلها داخل ذلك، وقد تقدم شرح الحديث في الباب الأول. وقوله: "ترتع" أي ترعى وقيل تنبسط، وفي قول أبي هريرة هذا إشارة إلى قوله في الحديث الماضي "لا ينفر صيدها"، ونقل ابن خزيمة الاتفاق على أن الإجزاء في صيد المدينة بخلاف صيد مكة.
(4/89)
________________________________________
5 - باب مَنْ رَغِبَ عَنْ الْمَدِينَةِ
1874- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "يَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ لاَ يَغْشَاهَا إِلاَّ الْعَوَافِ
(4/89)
________________________________________
باب الإيمان يأزر إلى المدينة
...
6 - باب الإِيمَانُ يَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ
1876- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا"
قوله: "باب الإيمان يأرز" بفتح أوله وسكون الهمزة وكسر الراء وقد تضم بعدها زاي، وحكى ابن التين عن بعضهم فتح الراء وقال إن الكسر هو الصواب، وحكى أبو الحسن بن سراج ضم الراء، وحكى القابسي الفتح ومعناه ينضم ويجتمع. قوله: "حدثني عبيد الله" هو ابن عمر العمري. قوله: "عن خبيب" بالمعجمة مصغرا وكذا رواه أكثر أصحاب عبيد الله، وخبيب هو خال عبيد الله المذكور، وقد روى عنه بهذا الإسناد عدة أحاديث. وفي رواية يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أخرجه ابن حبان والبزار. وقال البزار إن يحيى بن سليم أخطأ فيه، وهو كما قال، وهو ضعيف في عبيد الله بن عمر. قوله: "عن حفص بن عاصم" أي ابن عمر بن الخطاب. قوله: "كما تأرز الحية إلى جحرها" أي أنها كما تنتشر من جحرها في طلب ما تعيش به فإذا راعها شيء رجعت إلى جحرها كذلك الإيمان انتشر في المدينة، وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبته في النبي صلى الله عليه وسلم، فيشمل ذلك جميع
(4/93)
________________________________________
الأزمنة لأنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للتعلم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعهم للاقتداء بهديهم، ومن بعد ذلك لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده01والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه. وقال الداودي: كان هذا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والقرن الذي كان منهم والذين يلونهم والذين يلونهم خاصة. وقال القرطبي: فيه تنبيه على صحة مذهب أهل المدينة وسلامتهم من البدع وأن عملهم حجة كما رواه مالك. وهذا إن سلم اختص بعصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفتن وانتشار الصحابة في البلاد ولا سيما في أواخر المائة الثانية وهلم جرا فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك.
ـــــــ
1 كان وجه تقديم الصلاة في المسجد ليوافق كلامه النصوص
(4/94)
________________________________________
7 - باب إِثْمِ مَنْ كَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ
1877- حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ عَنْ جُعَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ هِيَ بِنْتُ سَعْدٍ قَالَتْ سَمِعْتُ سَعْدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لاَ يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلاَّ انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ"
قوله: "باب إثم من كاد أهل المدينة" أي أراد بأهلها سوءا، والكيد المكر والحيلة في المساءة. قوله: "أخبرنا الفضل" هو ابن موسى، الجعيد هو ابن عبد الرحمن، وعائشة بنت سعد أي ابن أبي وقاص، "قالت سمعت سعيدا" تعني أباها. قوله: "إلا انماع" أي ذاب. وفي رواية مسلم من طريق أبي عبد الله القراظ عن أبي هريرة وسعد جميعا فذكر حديثا فيه: "من أراد أهلها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء" . وفي هذه الطريق تعقب على القطب الحلبي حيث زعم أن هذا الحديث من أفراد البخاري، نعم في أفراد مسلم من طريق عامر بن سعد عن أبيه في أثناء حديث: "ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء" . قال عياض: هذه الزيادة تدفع إشكال الأحاديث الأخر، وتوضح أن هذا حكمه في الآخرة. ويحتمل أن يكون المراد من أرادها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بسوء اضمحل أمره كما يضمحل الرصاص في النار، فيكون في اللفظ تقديم وتأخير، ويؤيده قوله: "أو ذوب الملح في الماء"، ويحتمل أن يكون المراد لمن أرادها في الدنيا بسوء وأنه لا يمهل بل يذهب سلطانه عن قرب كما وقع لمسلم ابن عقبة وغيره فإنه عوجل عن قرب وكذلك الذي أرسله، قال ويحتمل أن يكون المراد من كادها اغتيالا وطلبا لغرتها في غفله فلا يتم له أمر، بخلاف من أتى ذلك جهارا كما استباحها مسلم بن عقبة وغيره. وروى النسائي من حديث السائب بن خلاد رفعه: "من أخاف أهل المدينة ظالما لهم أخافه الله وكانت عليه لعنة الله" الحديث. ولابن حبان نحوه من حديث جابر.
(4/94)
________________________________________
8 - باب آطَامِ الْمَدِينَةِ
1878- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ سَمِعْتُ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَشْرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى إِنِّي لاَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلاَلَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ
[الحديث 1878- أطرافه في 2467،3597،7060]
(4/94)
________________________________________
9 - باب لاَ يَدْخُلُ الدَّجَّالُ الْمَدِينَةَ
1879- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ"
".1880- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلاَئِكَةٌ لاَ يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلاَ الدَّجَّالُ"
1881- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلاَّ سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلاَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلاَّ عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلاَثَ رَجَفَاتٍ فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ"
1882- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا طَوِيلًا عَنْ الدَّجَّالِ فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَنْ قَالَ يَأْتِي الدَّجَّالُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا عَنْكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَهُ فَيَقُولُ الدَّجَّالُ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟
(4/95)
________________________________________
فَيَقُولُونَ لاَ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ فَيَقُولُ الدَّجَّالُ أَقْتُلُهُ فَلاَ أُسَلَّطُ عَلَيْهِ"
[الحديث 1882-طرفه في :7132]
قوله "باب لا يدخل الدجال المدينة" أورد فيه أربعة أحاديث الأول حديث أبي بكرة وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الفتن قوله: "عن جده" هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. قوله: "على كل باب" في رواية الكشميهني: "لكل باب قوله: "على أنقاب المدينة" جمع نقب بفتح النون والقاف بعدها موحدة، ووقع في حديث أنس وأبي سعيد اللذين بعده "على نقابها "جمع نقب بالسكون وما بمعنى. قال ابن وهب: المراد بها المداخل، وقيل الأبواب. وأصل النقب الطريق بين الجبلين، وقيل: الأنقاب الطرق التي يسلكها الناس، ومنه قوله تعالى: {فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ} . قوله: "لا يدخلها الطاعون ولا الدجال" سيأتي في الطب بيان من زاد في هذا الحديث مكة. الحديث: حديث أنس: قوله: "حدثنا أبو عمرو" هو الأوزاعي وإسحاق هو ابن عبد الله بن أبي طلحة. قوله: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال" هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذا ابن حزم فقال: المراد ألا يدخله بعثه وجنوده، وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته، وغفل عما ثبت في صحيح مسلم أن بعض أيامه يكون قدر السنة. قوله: "ثم ترجف المدينة" أي يحصل لها زلزلة بعد أخرى ثم ثالثة حتى يخرج منها من ليس مخلصا في إيمانه ويبقى بها المؤمن الخالص فلا يسلط عليه الدجال. ولا يعارض هذا ما في حديث أبي بكرة الماضي أنه لا يدخل المدينة رعب الدجال، لأن المراد بالرعب ما يحدث من الفزع من ذكره والخوف من عتوه، لا الرجفة التي تقع بالزلزلة لإخراج من ليس بمخلص. وحمل بعض العلماء الحديث الذي فيه أنها تنفي الخبث على هذه الحالة دون غيرها، وقد تقدم أن الصحيح في معناه أنه خاص بناس وبزمان، فلا مانع أن يكون هذا الزمان هو المراد، ولا يلزم من كونه مرادا نفي غيره. حديث أبي سعيد: قوله: "بعض السباخ" بكسر المهملة وبالموحدة الخفيفة وآخره معجمة، وسيأتي الكلام عليه أيضا في الفتن. وحاصل ما في هذه الأحاديث إعلامه صلى الله عليه وسلم أن الدجال لا يدخل المدينة ولا الرعب منه كما مضى.
(4/96)
________________________________________
10- باب الْمَدِينَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ
1883- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ فَجَاءَ مِنْ الْغَدِ مَحْمُومًا فَقَالَ أَقِلْنِي فَأَبَى ثَلاَثَ مِرَارٍ فَقَالَ الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا"
[الحديث 1883- أطرافه في: 7209، 7211، 7216، 7322]
1884- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَتْ فِرْقَةٌ نَقْتُلُهُمْ وَقَالَتْ فِرْقَةٌ لاَ نَقْتُلُهُمْ فَنَزَلَتْ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّهَا تَنْفِي
(4/96)
________________________________________
الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ"
[الحديث 1884- طرفاه في: 4050، 4589]
قوله: "باب" بالتنوين" المدينة تنفي الخبث" أي بإخراجه وإظهاره. قوله: "حدثنا عمرو بن عباس" بالموحدة والمهملة، وعبد الرحمن هو ابن مهدي، وسفيان هو الثوري. قوله: "عن جابر" وقع في الأحكام من وجه آخر عن ابن المنكدر قال: "سمعت جابرا". قوله: "جاء أعرابي" لم أقف على اسمه، إلا أن الزمخشري ذكر في "ربيع الأبرار" أنه قيس بن أبي حازم، وهو مشكل لأنه تابعي كبير مشهور صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم قد مات، فإن كان محفوظا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه. وفي "الذيل" لأبي موسى "في الصحابة قيس بن أبي حازم المنقري" فيحتمل أن يكون هو هذا. قوله: "فبايعه على الإسلام، فجاء من الغد محموما فقال أقلني" ظاهره أنه سأل الإقالة من الإسلام وبه جزم عياض. وقال غيره إنما استقاله من الهجرة وإلا لكان قتله على الردة، سيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفي في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى. قوله: "ثلاث مرار" يتعلق بأقلني ويقال معا1. قوله: "تنفي خبثها" تقدم الكلام عليه في أوائل المدينة. قوله: "وتنصع" بفتح أوله وسكون النون وبالمهملتين من النصوع وهو الخلوص، والمعنى أنها إذا نفت الخبث تميز الطيب واستقر فيها، وأما قوله: "طيبها" فضبطه الأكثر بالنصب على المفعولية. وفي رواية الكشميهني بالتحتانية أوله ورفع طيبها على الفاعلية وطيبها للجميع بالتشديد، وضبطه القزاز بكسر أوله والتخفيف ثم استشكله فقال: لم أر للنصوع في الطيب ذكرا، وإنما الكلام يتضوع بالضاد المعجمة وزيادة الواو الثقيلة. قال: ويروى "وتنضخ" بمعجمتين، وأغرب الزمخشري في "الفائق" فضبطه بموحدة وضاد معجمة وعين وقال: هو من أبضعه بضاعة إذا دفعها إليه، يعني أن المدينة تعطي طيبها لمن سكنها. وتعقبه الصغاني بأنه خالف جميع الرواة في ذلك. وقال ابن الأثير: المشهور بالنون والصاد المهملة. قوله: "عن عبد الله بن يزيد" هو الخطمي، وفي الإسناد صحابيان أنصاريان في نسق واحد. قوله: "رجع ناس من أصحابه" هم عبد الله بن أبي ومن تبعه، وسيأتي الكلام عليه في تفسير سورة النساء، والغرض منه هنا بيان ابتداء قوله: "تنفي الرجال" وأنه كان في أحد. قوله: "الرجال" كذا للأكثر وللكشميهني الدجال بالدال وتشديد الجيم وهو تصحيف، ووقع في غزوة أحد "تنفي الذنوب" وفي تفسير النساء "تنفي الخبث" وأخرجه في هذه المواضع كلها من طريق شعبة، وقد أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طريق غندر عن شعبة باللفظ الذي أخرجه في التفسير من طريق غندر، وغندر أثبت الناس في شعبة، وروايته توافق رواية حديث جابر الذي قبله حيث قال فيه: "تنفي خبثها" وكذا أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: "تخرج الخبث" ومضى في أول فضائل المدينة من وجه آخر عن أبي هريرة "تنفي الناس" والرواية التي هنا بلفظ: "تنفي الرجال" لا تنافي الرواية بلفظ الخبث بل هي مفسرة للرواية المشهورة، بخلاف "تنفي الذنوب"، ويحتمل أن يكون فيه حذف تقديره أهل الذنوب فيلتئم مع باقي الروايات.
1885- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبِي سَمِعْتُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنْ الْبَرَكَةِ
ـــــــ
1 ) في هامش طبعة بولاق: كذا في النسخ التي بأيدينا. وفي القسطلاني: تنازعه الفعلان قبله وهما قوله "فقال" وقوله "فأبى"وهي الأظهر.
(4/97)
________________________________________
تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ يُونُسَ
1886- حدثنا قتيبة حدثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس رضي الله عنه ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة أوضع راحلته وإن كان على دابة حركها من حبها قوله: "باب" كذا للأكثر بلا ترجمة، وسقط من رواية أبي ذر فأشكل، وعلى تقدير ثبوته فلا بد له من تعلق بالذي قبله لأنه بمنزلة الفصل من الباب. وقد أورد فيه حديثين لأنس، ووجه تعلق الأول منها بترجمة نفي الخبث أن قضية الدعاء بتضعيف البركة وتكثيرها تقليل ما يضادها فيناسب ذلك نفي الخبث، ووجه تعلق الثاني أن قضية حب الرسول صلى الله عليه وسلم للمدينة أن تكون بالغة في طيب ذاتها وأهلها فيناسب ذلك أيضا، وقد تقدم الكلام على الثاني في أواخر أبواب العمرة، وأما الأول فقوله فيه: "حدثنا أبي" هو جرير بن حازم، ويونس هو ابن يزيد. قوله: "أجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة" أي من بركة الدنيا بقرينة قوله في الحديث الآخر "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا" ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك، لكن يستثنى من ذلك ما خرج بدليل، كتضعيف الصلاة بمكة على المدينة، واستدل به عن تفضيل المدينة على مكة وهو ظاهر من هذه الجهة، لكن لا يلزم من حصول أفضلية المفضول في شيء من الأشياء ثبوت الأفضلية له على الإطلاق. وأما من ناقض ذلك بأنه يلزم أن يكون الشام واليمن أفضل من مكة لقوله في الحديث الآخر "اللهم بارك لنا في شامنا" وأعادها ثلاثا فقد تعقب بأن التأكيد لا يستلزم التكثير المصرح به في حديث الباب. وقال ابن حزم: لا حجة في حديث الباب لهم لأن تكثير البركة بها لا يستلزم الفضل في أمور الآخرة. ورده عياض بأن البركة أعم من أن تكون في أمور الدين أو الدنيا، لأنها بمعنى النماء والزيادة، فأما في الأمور الدينية فلما يتعلق بها من حق الله تعالى من الزكاة والكفارات ولا سيما في وقوع البركة في الصاع والمد. وقال النووي: الظاهر أن البركة حصلت في نفس المكيل بحيث يكفي المد فيها من لا يكفيه في غيرها، وهذا أمر محسوس عند من سكنها. وقال القرطبي: إذا وجدت البركة فيها في وقت حصلت إجابة الدعوة ولا يستلزم دوامها في كل حين ولكل شخص، والله أعلم. قوله: "تابعه عثمان بن عمر عن يونس" أي تابع جرير بن حازم في روايته لهذا الحديث عن يونس ابن يزيد عن الزهري عثمان بن عمر بن فارس فرواه عن يونس بن يزيد، ورواية عثمان بن عمر موصولة في "كتاب علل حديث الزهري" جمع محمد بن يحيى الذهلي، كذا وجدته بخط بعض المصنفين ولم أقف عليه في كتاب الذهلي، وقد ضاق مخرجه على الإسماعيلي فأخرجه من طريق عبد الله بن وهب ومن طريق شبيب بن سعيد وعلقمة من طريق عنبسة بن خالد كلهم عن يونس بن يزيد، وساق رواية وهب بن جرير فقال: "حدثنا أبو يعلى حدثنا زهير أبو خيثمة وقاسم بن أبي شيبة كلاهما عن وهب بن جرير" وصرح في رواية زهير عن وهب بسماع جرير له من يونس، ثم قال قاسم بن أبي شيبة: ليس من شرط هذا الكتاب. ونقل مغلطاي كلام الإسماعيلي هذا وتبعه شيخنا ابن الملقن وقال في آخره: قال الإسماعيلي أبو شيبة ليس من شرط هذا الكتاب، وهو سهو كأنه أراد أن يكتب قاسم بن أبي شيبة فقال وأبو شيبة. ثم قال مغلطاي: وقال الإسماعيلي: "قال الحسن عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فذكره وقال: يعني المدينة ا ه. وهذا نظر من لم يطلع على حقيقة الحال فيه، إذ الإسماعيلي ذكر رواية الحسن عن أنس لهذا الحديث متابعة لرواية يونس عن الزهري عن أنس، كما ذكر رواية ابن وهب وشبيب بن سعيد متابعة لجرير ابن حازم عن يونس، وليس كذلك وإنما أورد الإسماعيلي طريق شبيب بن
(4/98)
________________________________________
سعيد فقال: أخبرني الحسن يعني ابن سفيان حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد حدثنا أبي عن يونس عن الزهري، ثم تحول الإسماعيلي إلى طريق ابن وهب، قال ابن وهب: حدثنا يونس عن ابن شهاب حدثني أنس، وساق الحديث على لفظه ثم قال بعد فراغه: وقال الحسن عن أنس، ومراده أن رواية ابن وهب فيها تصريح ابن شهاب وهو الزهري أن أنسا حدثه، بخلاف رواية شبيب بن سعيد التي أخرجها من طريق الحسن بن سفيان فإنه قال فيها: عن أنس.
(4/99)
________________________________________
باب كراهية النبي أن تعري المدينة
...
11 - باب كَرَاهِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُعْرَى الْمَدِينَةُ
1887- حَدَّثَنَا ابْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُعْرَى الْمَدِينَةُ وَقَالَ يَا بَنِي سَلِمَةَ أَلاَ تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ فَأَقَامُوا"
قوله: "باب كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة" ذكر فيه حديث أنس في قصة بني سلمة وقد تقدم الكلام عليه في "باب احتساب الآثار" في أوائل صلاة الجماعة. "تنبيه": ترجم البخاري بالتعليلين، فترجم في الصلاة باحتساب الآثار لقوله صلى الله عليه وسلم: "مكانكم تكتب لكم آثاركم" وترجم هنا بما ترى لقول الراوي "فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة" وكأنه صلى الله عليه وسلم اقتصر في مخاطبتهم على التعليل المتعلق بهم لكونه أدعى لهم إلى الموافقة. قوله: "ألا تحتسبون" كذا للأكثر. وفي رواية: "ألا تحتسبوا" وحذف نون الرفع في مثل هذا لغة مشهورة.
(4/99)
________________________________________
باب حدثنا مسدد عن يحي عن عبيدالله بن عمر
...
12-باب
1888- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي"
1889- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلاَلٌ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَكَانَ بِلاَلٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ
أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
قَالَ اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ ثُمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا وَصَحِّحْهَا لَنَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ قَالَتْ وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ قَالَتْ فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي
(4/99)
________________________________________
كتاب الصوم
باب وجوب صوم رمضان
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
30 - كِتَاب الصَّوْمِ
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب الصوم" كذا للأكثر. وفي رواية النسفي "كتاب الصيام" وثبتت البسملة للجميع، والصوم والصيام في اللغة الإمساك، وفي الشرع إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن شيء مخصوص بشرائط مخصوصة. وقال صاحب "المحكم" : الصوم ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام، يقال صام صوما وصياما ورجل صائم وصوم. وقال الراغب: الصوم في الأصل الإمساك عن الفعل، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير صائم، وفي الشرع إمساك المكلف بالنية عن تناول المطعم والمشرب والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب.
1- باب وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [183 البقرة]:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
1891- حدثنا قتيبة حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل عن أبيه عن طلحة بن عبيد الله ثم أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة فقال الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا فقال أخبرني بما فرض الله علي من الصيام قال شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا قال أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة قال فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام قال والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلح إن صدق أو أدخل الجنة إن صدق"
1892- حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل عن أيوب عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما قال ثم صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه"
[الحديث 1892- طرفاه في: 2000، 4501]
1893- حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب أن عراك بن مالك حدثه أن عروة أخبره عن عائشة رضي الله عنها ثم أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فرض رمضان وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء فليصمه ومن شاء أفطر ه"
قوله: "باب وجوب صوم رمضان" كذا للأكثر، وللنسفي "باب وجوب رمضان وفضله" وقد ذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه "حظائر القدس" لرمضان ستين اسما، وذكر بعض الصوفية أن آدم عليه السلام لما أكل من
(4/102)
________________________________________
الشجرة ثم تاب تأخر قبول توبته مما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوما، فلما صفا جسده منها تيب عليه ففرض على ذريته صيام ثلاثين يوما، وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك. قوله: "وقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} الآية" أشار بذلك إلى مبدأ فرض الصيام، وكأنه لم يثبت عنده على شرطه فيه شيء فأورد ما يشير إلى المراد، فإنه ذكر فيه ثلاثة أحاديث: حديث طلحة الدال على أنه لا فرض إلا رمضان. وحديث ابن عمر وعائشة المتضمن الأمر بصيام عاشوراء. وكأن المصنف أشار إلى أن الأمر في روايتهما محمول على الندب بدليل حصر الفرض في رمضان وهو ظاهر الآية، لأنه تعالى قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} ثم بينه فقال: {شَهْرُ رَمَضَانَ} وقد اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا؟ فالجمهور - وهو المشهور عند الشافعية - أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ. فمن أدلة الشافعية حديث معاوية مرفوعا: "لم يكتب الله عليكم صيامه" وسيأتي في أواخر الصيام. ومن أدلة الحنفية ظاهر حديثي ابن عمر وعائشة المذكورين في هذا الباب بلفظ الأمر، وحديث الربيع بنت معوذ الآتي وهو أيضا عند مسلم: "من أصبح صائما فليتم صومه. قالت: فلم نزل نصومه ونصوم صبياننا وهم صغار" الحديث. وحديث مسلمة مرفوعا: "من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم" الحديث. وبنوا على هذا الخلاف هل يشترط في صحة الصوم الواجب نية من الليل أو لا؟ وسيأتي البحث فيه بعد عشرين بابا. وقد تقدم الكلام على حديث طلحة في كتاب الإيمان، وقوله فيه: "عن أبيه" هو مالك بن أبي عامر جد مالك بن أنس الإمام، وقوله: "عن طلحة" قال الدمياطي: في سماعه من طلحة نظر، وتعقب بأنه ثبت سماعه من عمر فكيف يكون في سماعه من طلحة نظر؟ وقد تقدم في كتاب الإيمان في هذا الحديث ما يدل على أنه سمع منهما جميعا، وسيأتي الكلام على حديثي ابن عمر وعائشة في أواخر الصيام إن شاء الله تعالى.
(4/103)
________________________________________
2 - باب فَضْلِ الصَّوْمِ
1894- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا
[الحديث 1894- أطرافه في : 1904، 5927، 7492، 7538]
قوله: "باب فضل الصوم" ذكر فيه حديث أبي هريرة من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عنه، وهو يشتمل على حديثين أفردهما مالك في الموطأ، فمن أوله إلى قوله: "الصيام جنة" حديث ومن ثم إلى آخره حديث، وجمعهما عنه هكذا القعنبي، وعنه رواه البخاري هنا. ووقع عن غير القعنبي من رواة الموطأ زيادة في آخر الثاني وهي بعد قوله: "وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها" زادوا "إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به" وقد أخرج البخاري هذا الحديث بعد أبواب من طريق أبي صالح عن أبي هريرة وبين في أوله أنه من قول الله
(4/103)
________________________________________
عز وجل كما سأبينه. قوله: "الصيام جنة" زاد سعيد بن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد "جنة من النار" وللنسائي من حديث عائشة مثله، وله من حديث عثمان بن أبي العاص "الصيام جنة كجنة أحدكم من القتال" ولأحمد من طريق أبي يونس عن أبي هريرة "جنة وحصن حصين من النار" وله من حديث أبي عبيدة ابن الجراح "الصيام جنة ما لم يخرقها" زاد الدارمي "بالغيبة" وبذلك ترجم له هو وأبو داود، والجنة بضم الجيم الوقاية والستر. وقد تبين بهذه الروايات متعلق هذا الستر وأنه من النار، وبهذا جزم ابن عبد البر. وأما صاحب "النهاية" فقال: معنى كونه جنة أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات. وقال القرطبي: جنة أي سترة، يعني بحسب مشروعيته، فينبغي للصائم أن يصونه مما يفسده وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث الخ"، ويصح أن يراد أنه ستره بحسب فائدته وهو إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله: "يدع شهوته الخ"، ويصح أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب وتضعيف الحسنات. وقال عياض في "الإكمال" : معناه سترة من الآثام أو من النار أو من جميع ذلك، وبالأخير جزم النووي. وقال ابن العربي: إنما كان الصوم جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات. فالحاصل أنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساترا له من النار في الآخرة. وفي زيادة أبي عبيدة بن الجراح إشارة إلى أن الغيبة تضر بالصيام، وقد حكى عن عائشة، وبه قال الأوزاعي: إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم. وأفرط ابن حزم فقال. يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه سواء كانت فعلا أو قولا، لعموم قوله: "فلا يرفث ولا يجهل" ولقوله في الحديث الآتي بعد أبواب "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" ، والجمهور وإن حملوا النهي على التحريم إلا أنهم خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع، وأشار ابن عبد البر إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات فقال: حسبك بكون الصيام جنة من النار فضلا. وروى النسائي بسند صحيح عن أبي أمامة قال: "قلت يا رسول الله مرني آخذه عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له" وفي رواية: "لا عدل له" والمشهور عند الجمهور ترجيح الصلاة. قوله: "فلا يرفث" أي الصائم، كذا وقع مختصرا، وفي الموطأ" الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث الخ" ويرفث بالضم والكسر ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد بالرفض هنا وهو بفتح الراء والفاء ثم المثلثة الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا وعلى الجماع وعلى مقدماته وعلى ذكره مع النساء أو مطلقا، ويحتمل أن يكون لما هو أعم منها. قوله: "ولا يجهل" أي لا يفعل شيئا من أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك. ولسعيد ابن منصور من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه "فلا يرفث ولا يجادل" قال القرطبي: لا يفهم من هذا أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم. قوله: "وإن امرؤ" بتخفيف النون "قاتله أو شاتمه". وفي رواية صالح "فإن سابه أحد أو قاتله" ولأبى قرة من طريق سهيل عن أبيه "وإن شتمه إنسان فلا يكلمه" ونحوه في رواية هشام عن أبي هريرة عند أحمد، ولسعيد بن منصور من طريق سهيل "فإن سابه أحد أو ماراه" أي جادله؛ ولابن خزيمة من طريق عجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة "فإن سابك أحد فقل إني صائم وإن كنت قائما فاجلس" ولأحمد والترمذي من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة "فإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم" وللنسائي من حديث عائشة "وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبه" واتفق الروايات كلها على أنه يقول: "إني صائم" فمنهم من ذكرها مرتين ومنهم من اقتصر على واحدة. وقد استشكل ظاهره بأن
(4/104)
________________________________________
المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين والصائم لا تصدر منه الأفعال التي رتب عليها الجواب خصوصا المقاتلة، والجواب عن ذلك أن المراد بالمفاعلة التهيؤ لها، أي إن تهيأ أحد لمقاتلته أو مشاتمته فليقل إني صائم، فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكف عنه، فإن أصر دفعه بالأخف فالأخف كالصائل، هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله: "قاتله" شاتمه لأن القتل يطلق على اللعن واللعن من جملة السب - ويؤيده ما ذكرت من الألفاظ المختلفة فإن حاصلها يرجع إلى الشتم - فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله بل يقتصر على قوله: "إني صائم" واختلف في المراد بقوله: "فليقل إني صائم" هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك أو يقولها في نفسه؟ وبالثاني جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في "الأذكار" وقال في "شرح المهذب" كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى ولو جمعهما لكان حسنا، ولهذا التردد أتي البخاري في ترجمته كما سيأتي بعد أبواب بالاستفهام فقال: "باب هل يقول إني صائم إذا شتم؟" وقال الروياني: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقله في نفسه. وادعى ابن العربي أن موضع الخلاف في التطوع. وأما في الفرض فيقوله بلسانه قطعا، وأما تكرير قوله: "إني صائم" فليتأكد الانزجار منه أو ممن يخاطبه بذلك. ونقل الزركشي أن المراد بقوله: "فليقل إني صائم مرتين" يقوله مرة بقلبه ومرة بلسانه، فيستفيد بقوله بقلبه كف لسانه عن خصمه وبقوله بلسانه كف خصمه عنه. وتعقب بأن القول حقيقة باللسان، وأجيب بأنه لا يمنع المجاز، وقوله: "قاتله" يمكن حمله على ظاهره ويمكن أن يراد بالقتل لعن يرجع إلى معنى الشتم، ولا يمكن حمل قاتله وشاتمه على المفاعلة لأن الصائم مأمور بأن الصائم مأمور بأن يكف نفسه عن ذلك فكيف يقع ذلك منه؟ وإنما المعنى إذا جاءه متعرضا لمقاتلته أو مشاتمته كأن يبدأه بقتل أو شتم اقتضت العادة أن يكافئه عليه. فالمراد بالمفاعلة إرادة غير الصائم ذلك من الصائم، وقد تطلق المفاعلة على التهيؤ لها ولو وقع الفعل من واحد، وقد تقع المفاعلة بفعل الواحد كما يقال لواحد عالج الأمر وعافاه الله، وأبعد من حمله على ظاهره فقال المراد إذا بدرت من الصائم مقابلة الشتم بشتم على مقتضى الطبع فلينزجر عن ذلك ويقول إني صائم. ومما يبعده قوله في الرواية الماضية "فإن شتمه شتمه" والله أعلم. وفائدة قوله: "إني صائم" أنه يمكن أن يكف عنه بذلك، فإن أصر دفعه بالأخف فالأخف كالصائل، هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله: "قاتله" شاتمه فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله، بل يقتصر على قوله إني صائم. قوله: "والذي نفسي بيده" أقسم على ذلك تأكيدا. قوله: "لخلوف" بضم المعجمة واللام وسكون الواو بعدها فاء. قال عياض: هذه الرواية الصحيحة، وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء، قال الخطابي: وهو خطأ، وحكى القابسي الوجهين، وبالغ النووي في "شرح المهذب" فقال لا يجوز فتح الخاء، واحتج غيره لذلك بأن المصادر التي جاءت على فعول - بفتح أوله - قليلة ذكرها سيبويه وغيره وليس هذا منها، واتفقوا على أن المراد به تغير رائحة فم الصائم بسبب الصيام. قوله: "فم الصائم" فيه رد على من قال لا تثبت الميم في الفم عند الإضافة إلا في ضرورة الشعر لثبوته في هذا الحديث الصحيح وغيره. قوله: "أطيب عند الله من ريح المسك" اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك - مع أنه سبحانه وتعالى منزه عن استطابة الروائح، إذ ذاك من صفات الحيوان، ومع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه - على أوجه. قال المازري: هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من الله، فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، وقيل المراد أن ذلك في حق الملائكة

تسجيل الدخول
يوجد 3981 زائر حالياً
كتّاب عراقيون من أجل الحرية |
العربية وادابها
|
كتب
|