Get Adobe Flash player

كلمة اليوم

زهرالآداب وثمار الألباب(10)

الحصري القيرواني


وقال أبو السمط بن أبي حفصة: الطويل:

فتًى لا يُبَالي المدْلِجُـونَ بـنُـورِه          إلى بابه أَلا تُضِيءَ الـكـواكـبُ

له حاجب في كل خَـيْرٍ يُعِـينـه             وليس له عن طالب العُرفِ حَاجِبُ

أخذْ البيت الأول من قول جده مَرْوان بن أبي حفصة الأكبر: الطويل:

إلى المصطفى المهديَّ خاضت ركابنا  دُجَى الليل يخبِطْنَ السَريح المُخدَمَـا

يكون لها نـور الإمـامِ مـحـمـد           دليلاً به تَسْرِي إذا الليل أظـلَـمـا

وقال إدريس بن أبي حفصة، وذكر إبلاً: البسيط:

لها أمامك نور تَسْتضِيء ُبـه             ومِنَ رجَائك في أعْنَاقِها حَادي

لها أحاديث من ذِكْراك تَشغَلُها           عن الرُتوعِ وتلهيها عن الزَّادِ

وأصله قول عمرو بن شأس الأسدي: الطويل:

إذا نحنُ أدلَجْنا وأَنتَ أمَـامـنـا                        كفى لمطايَانا بوجـهِـكَ هَـادِيا

أليس يَزيد العِـيسَ خِـفةَ أَذْرع           وإنْ كُن حَسْرَى، أَن تكُونَ أماميا

وقال بعض أهل العصر: الطويل:

وليل وَصَلْنَا بين قُطْرَيه بالسُـرى        وقد جَدَّ شوق مُطمْعٌ في وصالِكِ

أَرَبَّتْ علينا من دُجَـاهُ حَـنَـادِس          أَعَدْن الطريقَ النهْج وَعْرَ المَسالِكِ

فناديتُ يا أسماء، باسمك، فانْجَلت      وأَسْفَر منها كل أسودَ حَـالِـكِ

بنا أنت من هادِ نَجَوْنا بـذكـره            وقد نَشِبَتْ فينا أكُف المهـالـكِ

منحتك إخلاصي وأَصْفَيْتك الهوى       وإن كنت لمّا تُخْطِريني بِبالِـكِ

وقال القطامي: الطويل:

ذكرتُكُمُ لَـيْلاً فـنـوَر ذِكْـرُكُـم   دُجَى الليل حتى انجابَ عَنْه دَياجِرُهْ

فو الله ما أدْرِي أَضَوْءٌ مُـسَـجَّـر         لذِكْرَاكم أم يسْجُر الليلَ سَاجِـره؟

وقال القيني: الطويل:

وإني من القومِ الـذين هُـمُ هُـم           إذا مات منهم سيدٌ قام صَاحِبُـهْ

نجومُ سماءً كلّما انقضَّ كوكـب          بَدا كَوْكَبٌ تأوي إليه كواكـبُـهْ

أضَاءَتْ لهمْ أحسابُهمْ ووجوهُهـم       دُجَى الليل حتى نَظم الجَزْعَ ثَاقِبُهْ

وقال الحطيئة: البسيط:

نمشي على ضَوْءِ أحْسَابٍ أَضَأْنَ لنا    كما أَضاءت نجومُ اللَيْلِ للسـارِي

وقد ردَده في موضع آخر فقال: الوافر:

هُمُ القومُ الذين إذا ألَمـتْ     مِنَ الأيامِ مُظْلِمةٌ أضاءُوا

وكلام القاسم بن حنبل المَدَني من هذا، حيث يقول: الوافر:

من البيض الوجوه بَنِي سِنـان           لَو أنك تستضيءُ بهمْ أَضَاءُوا

فَلَو أنَّ السماءَ دَنَتْ لـمَـجْـد              ومَكْرُمَةٍ دنَتْ لهمُ السـمـاءُ

همُ حازُوا من الشَّرَفِ المعلى                       ومن كَرَم العشيرة حَيْثُ شاءُوا

وقال بعض المتقدمين: الطويل:

إذا أشرقَتْ في جُنْحِ ليل وجوهُهُم       كَفَوْا خَابِطَ الظلماءِ فَقْدَ المَصَابحِ

وإنْ نابَ خَطْب أو ألمَتْ مُلـمَة           فكم ثمَ مِنْ آسِي جِراح وجَارح

وقال أبو بديل الوضاح بن محمد التيمي في المستعين: الطويل:

وقائلة والليلُ قد نَشَـر الـدُّجَـى           فغطى بها ما بين سهلِ وقـردَد

أرى بارقاً يَبْدُو من الجوْسَقِ الذي      بهِ حلّ مِيْرَاثُ النبيِّ مـحـمـدِ

أضاءت لهُ الآفاقُ حتى كأنـمـا           رأَيْنَا بنصفِ الليلِ نُورَ ضحَى غدِ

فظلَّ عَذَارَى الحيِّ ينظمْنَ تَحتـه         سُلوكاً من الجَزع الذي لم يسَـرَد

فقلت: هو البَدْرُ الذي تعرفـونـه         وإلاّ يَكُنْ فالنور من وجهِ أحمـدِ

??ما قيل في الاشتياق

وقال عُمَر بن عبد الله بن أبي ربيعة في معنى قول عمرو بن شأس في حثً الاشتياق: الطويل:

خلـيلـيَّ، مـا بـالُ الـمـطـــايا كـــأنـــمـــا

تَراهـا عـلـى الأعْـقَـابِ بـالْـقَـومِ تَـنْـــكُـــصُ

فقد أتْعَب الحادي سُراهُنَّ، وانحنىبهنَ فما بَالَوْا عجول مقلّصُ

وقد قُطِّعَت أعناقُهن صَبَابَةَ

فأعْـيُنُـهَـا مـمّـا تـكَـلَّــفُ تَـــشْـــخَـــصُ

يَزِدْنَ بـنـا قُــربـــاً فـــيزدادُ شَـــوْقُـــنَـــا

إذا ازدادَ قُـرْبُ الـدارِ والـبُـــعـــد يَنْـــقُـــصُ

وقال بعض الرجاز، وذكر إبلاً: الرجز:

إن لها لسائقاً خَدَلـجـا         لم يُدْلج الليلةَ فيمَنْ أَدْلَجا

يريد امرأة يحبّها فيحثه ما يجدُه من الشوق على إجهاد مطاياه بالسوق. كما أنشد إسحاق الموصلي: البسيط:

صبّ يحث مطاياهُ بذكْـرِكُـم                وليس يَنْسَاكُمُ إنْ حَل أو سَارَا

لو يستطيعَ طوَىَ الأيام نحوكُمُ           حتى يبيعَ بعُمْرِ القُرْبِ أعمارا

يرجو النجاةَ من البلوىَ بقربكُم          والقربُ يُلْهِبُ في أحشائِه نَارَا

هذا البيت يناسب أبيات أبن أبي ربيعة. يقول: كلما دنا ازدادَ حِرْصاً على اللقاء.

وشخَصَ إسحاق الموصلي إلى الواثق بسُرَّ من رأى، وأهُلُهُ ببغداد، فتصيد الواثق وهو معه إلى نواحي عُكْبَراء، فلما قرب من بغداد قال: الوافر:

طربتَ إلى الأصَيْبِيَة الصّغار              وهاجَكَ منهم قُرْبُ المَزَارِ

وكلّ مسافر يَزْداد شـوقـاً                 إذَا دَنَتِ الديارُ مـن الـدَيارِ

ولحَّنه وغناه الواثق، فاستحسنه وأطربه، فصرفه إلى بغداد على ما أحَبّ وكان إسحاقُ قال أولاً: الوافر:

وكل مسافر يَشْتاقُ يوماً                  إذا دَنتِ الديارُ من الديارِ

فعابوا قوله يوماً، وقالوا: هي لفظة قَلِقة في هذا الموضع، لم تحلّ بمركزها، ولا لها هنا موقع. قال: فضَعُوا مكانها مِثْلَها لا خيراً منها. فما استطاعوا ذلك، فغيّرها إلى ما أنشدت أولاً.

وقال أبو نواس: الكامل:

أما الدِّيار فقلما لَبِـثُـوا بـهـا              بين اشتياق العِيسِ والرّكـبـان

وضعوا سِياطَ الشَوْقِ فوق رِقابها       حتى طلَعْنَ بها على الأوْطـانِ

وقال مَخْلَد بن بكار الموصلي: الطويل:

أقُولُ لِنِضْوٍ أنْفَدَ الـسَـير نـيهَـاً            ولم يبقِ منها غَيرَ عَظْمٍ مجـلّـدٍ

خدِي بي ابتلاك الله بالشَوْقِ والهوَى   وشَاقَك تَحْنَانُ الحَمامِ الـمـغَـردِ

فمرَت سريعاً خَوْفَ دَعْوَةِ عاشـق      تَشُقّ بِيَ المَوْماةَ في كلِّ فَـدْفَـدِ

فلما وَنَتْ في السير ثنَيْتُ دَعْوَتـي       فكانت لها سَوْطاً إلى ضحْوَةِ الْغَدِ

وكان مخلد حلو الطبع، وهو القائل يمدحُ رجلاً: الرمل:

يَطْلُعُ النَجْمُ على صـعْـدَتـه                فإذا واجَـه نـحـراً أفـلا

مَعْشرٌ إن ظَمِئَتْ أرماحـهُـمْ               أَوْرَدُهنَّ مُجَاجَاتِ الطـلـى

تَحْسُنُ الألوانُ منهم في الوَغَى          حين تَسْتَنكر للرُّعْبِ الحُلَـى

سُخط عبد اللّه يُدْني الأَجـلا                ورِضَـاهُ يَتَـعَـدى الأَمـلاَ

يُعشب الصَّلْدَ إذا سـالـمـهُ                وإذا حارَب رَوْضاً أَمْـحَـلاَ

مَلِـكٌ لـو نُـشّــرت آلاؤه                    وأياديه على الليل انجـلـى

حَل بالبَأْس ابنُ عَمرو منـزلاً             طال حتى قَصُرَتْ فيه العُلاَ

حطَّ رَحْلي فـي ذَرَاه جُـوده                وتَمشَى في ندَاهُ الْخَـيْزلَـى

في الخط

سئِل بعضُ الكتاب عن الخط: متى يستحق أن يوصفَ بالجودة؟ فقال: إذا اعتدلَت أقسامُه، وطالت ألِفُه ولاَمُه، واستقامت سطورُه، وضَاهَى صعودَه حُدُورُه، وتفتَّحَتْ عيونُه، ولم تشتبه رَاؤه ونونُه، وأشْرَقَ قِرْطاسه، وأظلمت أنْفاسه، ولم تختلف أجْناسه، وأسرع إلى العيون تصوُرُه، وإلى العقول تَثَمُرُه، وقُدِّرت فصوله، وانْدَمَجَتْ وُصُوله، وتناسب دقيقُه وجَلِيله، وخرج من نَمَطِ الورّاقين، وبَعُدَ عن تصنعِ المحررين، وقام لصاحبه مقام النسبة والحليَة، كان حينئذ كما قال صاحب هذا الوصف في صفة خط: المتقارب:

إذا ما تجلّل قِرْطَـاسـه         وساوَرَه القلمُ الأرْقَـشُ

تَضمَّنَ منْ خَطِّهِ حُـلّةً          كنَقْشِ الدنانير، بَلْ أنْقَشُ

حروف تُعِيدُ لعين الكَليل       نشاطاً ويقرؤها الأخْفَش

قال أبو هفان: سألت ورَاقاً عن حاله فقال: عيشي أضيق من مِحْبَرة، وجسمي أدقّ من مِسْطرة، وجَاهي أرقُّ من الزجاج، ووَجْهي عند الناس أشدِّ سواداً من الحبر بالزَّاج، وحظي أخْفَى من شقّ القلم، ويَدَاي أضْعَف من قَصَبَة، وطعامي أمرّ من العَفْص؛ وشَرَابي أحرّ من الحبر، وسوءُ الحال ألزمُ لي من الصَمْغ؛ فقلت له: عبرتَ عن بلاء ببلاء!.

وقال الحمدوني: البسيط:

ثِنتانِ من أدَوَاتِ العِلْمِ قد ثـنـتـا          عِنَانَ شَأْوِي عما رمتُ مِنْ هِمَمي

أما الدَواةُ فأَدْمَى جرْمُها جَـسَـدي       وقلّم الحظّ تحريفٌ مِنَ الـقَـلـمِ

وحَبرَتْ لي صحْف الحرف مِحْبَرة       تَذودُ عَنِّي سَوَامَ المالِ والـنـعـمِ

والعِلْمُ يَعْـلَـمُ أنـي حِـينَ آخـذُهُ                        لعصمتي نَافِرٌ خِلْوّ من العِـصَـمِ

وللحمدوني في الحرفة أشعار مستظرفة؛ وكان مليح الافتنان، حلو التصرف؛ وهو إسماعيل بن إبراهيم بن حَمْدَويه، وحمدويه جدّه، وهو صاحب الزنادقة في أيام الرشيد، والحمدوني القائل: السريع:

مَنْ كان في الدنيا له شَارةٌ               فنَحْنُ من نَظّارةِ الدنـيا

نَرْمُقها مِن كَثَبٍ حسْرَة                    كأننا لَفْظٌ بلا مَعْنَـى

وقال: الكامل:

قد قُلْتُ إذْ خرجوا لكي يستَمْطِروا:      لا تَقْنَطوا واستمطِرُوا بـثـيابـي

لو في حَزيرانٍ همَمْتُ بغَسْلِـهـا          غَطّى ضياءَ الشمس جو سَحـاب

فكأنها العباسُ يَسْتَـسْـقـي بـه                        عُمَرٌ فيرويهمْ دُعـاءُ مُـجَـابِ

صنعة الأدب

وقال آخر في المعنى الأول: البسيط:

لما أجدْتُ حروفَ الخط حَرَّفَنِـي          عن كل حظ وجاءت حِرْفَةُ الأدبِ

أقْوَت منازلُ مالي حين وطّنَـهـا          مخيماً سَفَطُ الأقلامِ والـكُـتُـبِ

وقال يعقوب الخريمي: البسيط:

ما ازْدَدْتُ في أدَبي حَرْفاً أُسَرُّ به        إلا تزيدْت حَرْفاً تحـتـه شُـومُ

كذاك من يَدَّعي حُذقاً بصنعَـتـه          أنَّى توجهَ فيها فَهْوَ مَـحْـرُومُ

ولما قتل المقتدر أبا العباس بن المعتز، وزعم أنه مات حَتْفَ أنفه، قال عليّ بن محمد بن بسام: البسيط:

لله دركَ مِنْ مَـيْتٍ بـمَـضْـيَعَة              ناهيكَ في العلم والآَداب والحسَبِ

ما فيه لَوّ ولا لَيْتٌ فـينـقـصـهُ             وإنما أدركَـتـه حـرفة الأدب

قال ابن الرومي: الكامل:

يا ليت أهل البيتِ إذْ حُرِمـوا              عُصِمُوا من الشهوات والفتن

لكنهم حُرِموا وما عُصِمـوا               فقلوبهم مَرضَى الـحـزنِ

وهُمُ أطَبُّ على بَـلِـيّتـهـمْ                   من غيرهم بمَضَاضَة الشجَن

وقال جعفر بن محمد: إن الله وسَع أرزاقَ الحَمقَى ليعتبرَ العقلاء، ويعلموا أن الدنيا لا يُنَالُ ما فيها بعَقْل ولا حيلة، ألاَ إنَّ كسب المال بالحظّ، وحِفظَه بالعقل.

قال إبراهيم بن سيّار النظام: الذهبُ لئيم؛ لأنَ الشكلَ يصير إلى شَكلِه، وهو عند اللئام أكْثَرُ منه عند الكرام. قال المتنبي - وأخذ هذا المعنى: الوافر:

وشِبْهُ الشيءِ مُنْجَذِب إليهِ                وأشبَهنَا بِدنيَانَا الطغَـام

وكان النظام له نظر بوجوهِ التصرّف، وكان السلطان يَصِفه بالكثير، وكان محظوظاً؛ فإذا اجتمع له مال حَبَسَ لنفسه بُلْغة، وفرَّق الباقيَ في أبواب المعروف؛ فقيل له في ذلك، فقال: مِنْ حقِّ المالِ عليَ أن أطلُبَه من مَعْدنه، وأصيب به للفُرْصَةَ عند أهله؛ ومن حقِّي عليه أنْ يَقِيني السوء بنفسه، ويصونَ عِرْضي بابتذاله، ولا يفعل ذلك إلاَ بأن أسمح به؛ ألا ترى ذا الغنى؛ ما أدْوَم نَصبه، وأقلَّ راحته، وأخرَّ من ماله حَظّه، وأشد من الأيام حذَره، وأغْرى الدهر بثَلْبِه ونَقْصِه، ثم هو بين سلطان يَرْعاه، وذوي حقوق يسبُّونه وأكفاء ينافسونه، وولد يريدون فِرَاقَه، قد بعث عليه الغِنَى من سلطانه العَناء، ومن أكفائه الحَسَد، ومن أعدائهِ البَغْي، ومن ذوي الحقوقِ الذمّ، ومن الولدِ المَلاَلَ، وذو البلغة قِنعَ فدام له السرور، ورفض الدنيا فسَلِمَ من المحذور، ورَضِي بالكفاف فتنكّبَته الحقوق.

أدوات الورّاق

قال الصولي: أنشدني محمد بن أحمد بن إسحاق: السريع:

أدْمى البُكا جَفْنَيَّ والـمـآقـي              فظَلْتُ ذَا هَـمٍّ وذا اخـتِـرَاقِ

ما إن أرى في الأرض والآفاقِ          أدْنَى ولا أشقَى مـن الـورَّاقِ

إذا أتى في القُمُصِ الأخْـلاقِ             رأيته مـطـيرة الـعُـشَّـاقِ

يفـرح بـالأقــلام والأوراق                كفرْحَةِ الجـنـدي بـالأرزاق

وقال بعض الوراقين: المتقارب:

إذا كنتَ بالليلِ لا أكْتُـبُ                    وطول النهار أنَا ألعـبُ

فطوراً يبطّلني مَـأكَـلٌ                       وطوراً يبطّلني مَشْرَبُ

فإنْ دامَ هذا على ما أرى                 فبيتيَ أوَّل مـا يَخْـرب

وقيل لورّاق: ما تَشتَهي؟ فقال: قلماً مَشَاقاً، وحِبْراً بَرَاقاً، وجلوداً رِقَاقاً. وكل امرئ فأمنيته على ما يطابِقُ غريزته، ويوافِقُ نَحِيزته.

اللذات

قال عليّ بن جبلة العكوك: قال الأصمعي: سُئِل امرؤ القيس: ما أطيب لذّات الدنيا؟ قال: بيضاء رغبوبة، بالحسن مكبوبة، وبالشَحْم مكروبة، بالمِسْكِ مَشْبُوبة.

وسئل الأعشى عن ذلك، فقال: صَهْبَاء صافية، تمزُجُها سَاقية، من صَوْبِ غادية.

وسئل طرفة عن ذلك، فقال: مركب وَطيّ، وثَوْبٌ بَهِي، ومطعم شهي.

قال العكوك: فحدَثت بهذا أبا دُلَف، فقال: الخفيف:

أطيبُ الطيّبات قَتْلُ الأعادِي               واختيال على مُتُونِ الجِيَادِ

ورَسول يَأْبَى بوَعْد حبـيبٍ                 وحبيبٌ يَأْتي بلا مـيعـادِ

وحدَثت بذلك حُميداً الطوسي، فقال: الطويل:

فلولا ثلاثٌ هنَّ مِنْ لَذَّةِ الفَـتَـى           وجدِّك، لم أحْفلْ متى قام عُوَدِي

فمنهن سَبْقُ العَاذلاتِ بِـشَـرْبةٍ           كُميْت، متى ما تُعْل بالماء تزْبِدِ

وكَرَي إذا نادى المُضَافُ مُحنَبـاً         كَسِيد الغَضا ذي السَوْرة المتوَرَدِ

وتقصيرُ يَوْمِ الدَجْنُ مُـعْـجِـبٌ             ببَهْكَنَةٍ تحت الخِبَاء المـعَـمَّـدِ

الشعر لطرفة بن العبد.

وحدثت بذلك يزيد بن عبد الله، فقال: ما أدري ما قالوا، ولكني أقول: المنسرح:

فَاقْبَلْ من الدَّهْرِ ما أتاكَ بِهِ               مَنْ قَرَ عينا بِعَيْشِه نَفَعَـهْ

فكان أسدَهم.

والبيت للأضبط بن قُرَيع، أنشده أبو العباس ثعلب، قال: وبلغني أن هذه الأبيات قيلت قبل الإسلام بدَهْرٍ طويل: المنسرح:

لكل ضيق من الأُمـور سَـعَـهْ             والصبحُ والمُسْيُ لا فلاحَ مَعـهْ

ما بالُ مَنْ سره مـصـابُـك لا              يَمْلِك شيئاً مـن أمْـرِهِ وَزَعَـهْ

أذُود عن حَوْضِه ويَدْفـعُـنـي              يا قوم، مَن عاذِري من الخَدَعَهْ؟

حتى إذا ما انجلـتْ عَـمـايَتـهُ             أقْبَل يَلْحَى وغَـيه فَـجَـعـه

قد يجمعُ المـالَ غـيرُ آكـلـهِ               ويأكلُ المالَ غيرُ من جَمَـعـهْ

ويقطعُ الثـوبَ غـيرُ لابـسـهِ               ويلبسُ الثوبَ غيرُ مَن قَطَعـه

فاقْبَلْ من الدَّهْرِ مـا أتَـاك بـهِ             مَنْ قر عيناً بعيشـه نَـفَـعَـهْ

وصِلْ حبالَ البعيد إنْ وَصَـلَ الْ           حَبْلَ، وأقْصِ القريبَ إنْ قَطَعَهْ

ولا تُعَادِ الـفـقـيرَ عَـلـكَ أنْ                تَرْكَعَ يوماً والدهرُ قد رَفَـعـهْ

هذا البيت شبيه بما روي عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كثيراً ما يستنشدني قول اليهودي: الكامل:

ارفعْ ضعيفك لا يَحُرْ بكَ ضعفهُ           يوماً فتُدْرِكَه العواقب قد نـمـا

يجْزِيك، أو يُثْنى عليك، وإن مَن         أثْنَى عليك بما فَعَلْتَ كمَنْ جَزَى

فأنشده، فيقول: إني فطِن لها.

وكان الأضبط سيد بني سعد، وكانوا يشتمونه ويؤذونه، فانتقل إلى حي من العرب فوجدهم يؤذون سادتهم، فقال: حيثما أوجّه ألق سعداً! فذهبت مثلاً. قال الطائي: الطويل:

فلا تَحْسِبَنْ هنداً لها الغَدْرُ وحدها       سجيةُ نَفْسٍ، كل غانِيةٍ هِـنـدُ

وصف المحبرة والقلم

قال بعضُ الكتاب يصف محبرة: الكامل:

ولقد مضَيْتُ إلى المحدِّث آنفـاً           وإذا بحضْرَته ظِـبـاءٌ رُتَّـعُ

وإذا ظِبَاءُ الإنْسِ تكتُبُ كل مـا            يُمْلَى، وتحفظ ما يقول وتَسْمَعُ

يتجاذبون الحِبْرَ من ملـمـومةٍ            بيضاءَ تحمِلُها عَـلائِقُ أربـعُ

من خالص البَلّورِ غُيِّر لَوْنهـا                        فكأنها سبَجٌ يَلـوحُ ويَلْـمَـعُ

إنْ نكَّسوها لم تَسِلْ، ومليكـهـا           فيما حوَتْهُ عاجلاً، لا يَطْمَـعُ

ومتى أمالوها لِرَشْفِ رُضابهـا          أداه فُوهَا وهي لا تتـمـنَـعُ

وكأنها قَلْبـي يَضِـن بـسِـرَه                أبداً، ويكَتمُ كل ما يُسْـتـودَعُ

يَمْتَاحُها ماضِي الشبَاة مُـذَلـق           يجري بميْدَانِ الطّرُوس فيُسْرعُ

رِجْلاَهُ رأسٌ عنـده لـكِـنَّـه                 يلقاه برد حَفَاهُ ساعةَ يقـطَـعُ

وكأنَّه والحِبْرُ يَخْضِـبُ رأسـهُ             شيخٌ توَصْلِ خريدةٍ يتَصَـنَّـع

لِمَ لا أُلاحظه بـعَـيْنِ جـلالةٍ                وبه إلى اللهِ الصحائفَ ترفع؟

وقال أبو الفتح كشاجم: المنسرح:

مِحْبَرة جَادَ لي بـهـا قَـمَـرٌ                 مستَحسَنُ الخَلْقِ مرتضى الخلقِ

جوهرة خَصنـي بـجـوهـرةٍ                ناطَتْ له المكرمات في عنقي

بيضاء والحِبرُ في قَرَارَاتِـهـا             أسْوَدُ كالمِسْك جِد منـفَـتِـقِ

مثل بـياضِ الـعـيون زَيّنَـهُ                مُسْوَدُ ما شَابَه مِـنَ الـحَـدَقِ

كأنما حِـبـرُهَـا إذا نَـثَـرَتْ                  أقلامُنَا ظِلَّه عـلـى الـوَرَقِ

كحْلٌ مَرَته العُيُونُ مِنْ مُـقَـل              نُجْل فأَوْفَت بِهِ عـلـى يَقَـقِ

خَرْسَاء لكنَّهـا تـكـون لـنَـا                عَونَاً على عِلم أفصح النُّطُـقِ

وقال عبد الله بن أحمد: القلم أمْرَهُ، ما لم يَكتَحِل بإثمِد الدَّوَاة.

وكتب إبراهيم بن العباس كتاباً فأراد مَحو حرف فلم يجد منديلاً، فمحاه بكُمِّه فقيل له في ذلك، فقال: المالُ فَرْعٌ ، والعلمُ أصل، وإنما بلَغنَا هذه الحال، واعتقدنا هذه الأموال بهذا القلم والمداد، ثم قال: الوافر:

إذا ما الفكرُ أضْمَرَ حُسْنَ لَفظٍ                        وأدَّاه الضميرُ إلى الـعِـيانِ

ووَشّاهُ ونَمْـنَـمَـه مـسَـدٍّ                   فصيحٌ بالمَقَالِ وبالـلَـسـان

رأيت حُلَى البيانِ مـنـوّراتٍ               تَضَاحَكُ بينها صوَر المعاني

ألفاظ لأهل العصر في أوصاف آلات الكتابة والدويِّ والأقلام.

الدواة من أنفع الأدوات، وهي للكتابة عتَاد، وللخاطر زنَاد، غدير لا يرِدُه غَيْرُ الأفهام، ولا يمتح بغير أَرشية الأقلام، دواة أنيقة الصَّنْعَة، رَشيقة الصبغة، مسكيّة الجلد، كافُورِية الحِلْية. غدير تفيض ينابيعُ الحِكْمَة من أقْطَاره، وتنشأ سُحُبُ البلاغة مِنْ قراره. دواة تداوي مرض عفاتك، وتدوي قلوب عداتك، على مرفع يؤذن بدوام رفعتك، وارتفاع النوائب عن ساحتك، ومداد كسواد العَيْنِ، وسُوَيْداءِ القلب، وجناح الغُرَاب، ولعابِ الليل، وألوانِ دهمِ الخيل. وهذا من قول ابن الرومي: الرجز:

حبر أبي حَفصٍ لعَاب الليلِ                كأنه ألوانُ دُهْمِ الـخـيلِ

قال العاصر: مِدادٌ ناسب خافِية الغُرَاب، واستعار لونَه من شَرْخِ الشباب، وأقلام جَمَة المحاسن، بعيدة من المَطَاعِن، تعاصي الكاسي، وتمانِع الغامِزَ الْقَاسِي. أنابيب ناسبت رِماح الخطِّ في أجْناسها، وشاكلت الذهبَ في ألوانها، وضاهَت الحديدَ في لمعانها؛ كأنها الأميالُ استواءً، والآجالُ مَضاءً، بطيئة الحَفى، قوية القُوَى، لا يُشظيها القَطُ، ولا يتشعَّبُ بها الخطُ. أقلام بحرية مَوْشِيَّةُ اللِّيط، رائقة التخطيط. قلمٌ معتدل الكُعُوب، طويل الأنبوب، باسِقُ الفروع، رَوِيً اليَنْبُوع، هو أَوْلَى باليد من البَنَانِ، وأَخْفَى للسرّ من اللِّسان. هو للأنامل مطيّة، وعلى الكتابة معونة مَرْضِيّة. نعم العُدَة القلم: يقلم أظافِرَ الدَّهر، ويملك الأقاليم بالنَّهْي والأمر، إن أرَدْتَ كان مسجوناً لا يملّ الإسار، وإن شئتَ كان جواداً جارياً لا يعرفُ العِثار، لا ينْبُو إذا نَبَتِ الصِّفَاح، ولا يُحْجِمُ إذا أحجمت الرِّمَاح.

قال أبو الفتح كشاجم، يصف محبرة ومقلمة وأقلاماً وسكيناً: الرجز:

جسمي من اللَّهْو وآلاتِ الطـرَبْ         ومن عَتَـادٍ وثَـرَاءً ونَـشَـبْ

ومن مُدَام ومَثَانٍ تَصْـطَـحِـبْ             وهمّةٍ طمّاحةٍ إلـى الـرُتَـبْ

مَجَالسٌ مَصُـونَة مِـنَ الـرِّيَبْ             معمورةٌ من كـلِّ عِـلْـمِ وأدَبْ

تكَادُ مِنْ حَرِّ الحديثِ تَلْـتَـهِـبْ             شِعْراً وأخباراً ونحواً يقتـضـبْ

ولغةً تجمعُ ألْـفَـاظَ الـعـربْ               وفقَراً كالوَعْدِ في قَلْبِ المُحِـبْ

أو كتأتِّي الرزق مِنْ غيرِ طلـبْ          أجَلْ، وحَسْبِي من دُوِيٍّ تُنتخَـبْ

محـلَّـيات بـلُـجَـيْنٍ وذهَـبْ                 محْبَرَة يُزْهَى بِهَا الحِبْرُ الألَـبّ

مثقوبة آذَانُها، وفـي الـثـقُـب             مثل شُنُوفِ الخُرَدِ البيض العُرُب

تضمن قطراً للكَتْـب عـشُـبْ               أَسْوَد يَجْري بمعانٍ كالشُـهُـبْ

لا تَنْضُب الحكمةُ إلاَ إنْ نَـضَـبْ          نِيطَتْ إلى يُسْرَى يَدَيَّ بِسَـبَـبْ

كالقُرْطِ في الجيدِ تَدَلّى فاضْطَرَبْ        تصحبها، والأخَواتُ تُصْطَحَـبْ

كأنه يودع نَبْـلاً مـن قَـصَـبْ              لم يَعْلُها رِيشٌ ولم تَحْمِلْ عَقَـبْ

لا تَضْحَكُ الأوْرَاقُ حتى يَنتحِـبْ          تَرْمي بها يمنايَ أعْراضَ الكُتُبْ

رمياً متى أقْصِدْ به السمْتَ أُصِب        ومُدْية كالعَضْبِ ما مَسَ القَصَبْ

غَضْبَى على الأقْلاَم من غير سبَبْ      تَسْطُو بها في كل حينٍ وتَـثِـبْ

وإنما ترْضيكَ في ذاك الغَضـبْ           فتلك آلاتـي، وآلاتـي تُـحَـبّ

والظّرْفُ في الآلاتِ ممّا يُسْتَحَبّ         لا سيما ما كان مِنْـهـا لـلأدَبْ

من أخبار الخليفة المأمون

تظلم رجلٌ إلى المأمون من عامل له، فقال: يا أمير المؤمنين، ما ترك لي فِضة إلاَ فضَها، ولا ذهباً إلاّ ذهب به، ولا غلَّة إلا غَلّها، ولا ضَيعَةً إلا أضاعها، ولا عِلْقاً إلا عَلِقًه، ولا عَرَضاً إلا عَرض له، ولا ماشية إلا امْتشَّها، ولا جليلاً إلاَ أجْلاَه، ولا دقيقاً إلا أدَقَّه، فعجب من فصاحته وقضى حاجَتَه.

قال عمرو بن سعد بن سلم: كانت علي نوبة أنوبها في حرس المأمون، فكنتُ في نوبتي ليلةً فخرج متفقّداً مَنْ حَضَر، فعرفته ولم يعرفني، فقال: من أنت؟ قلت: عَمْرو، عمرك الله، ابن سعيد، أسْعَدك الله، ابن سلم، سلمك الله. فقال: تكلَؤُنا منذ الليلة. قلت: الله يَكْلَؤُك قَبْلي، وهو خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.

فقال المأمون: الرجز:

إن أخاك الحقّ من يَسْعَى مَعَكْ          ومَن يَضُرُ نَفسَه لينْـفَـعًـك

ومَنْ إذا صَرفُ زمان صَدَعَك                       بَدد شَملَ نَفْسِهِ ليجـمَـعَـكْ

وصف الروض والزهور

وقال علي بن العباس الرومي: الكامل:

خَجِلتْ خُدودُ الوَرْدِ من تَفْضِيله          خجلاً تَوَرُدها عليه شَـاهِـدُ

لم يخجل الوردُ المورَدُ لونـه             إلا وناحِلُه الفضـيلةَ عَـانِـدُ

للنرجس الفَضْلُ المبين إذا بَدَا           بين الرياض طريفه والتَّالـدُ

وكان ابنُ الرومي متعصباً للنرجس، كثير الذمِّ للورد، وكتب إلى أبي الحسن ابن المسيب: الكامل:

أدْرِك ثِقَاتكَ إنهـم وَقـعـوا                 في نَرْجِسِ معه ابْنَةُ العِنَـبِ

فهُمُ بحالٍ لو بَصُـرْتَ بـهـا                 سبحْتَ من عُجْبٍ ومن عَجَبِ

رَيْحَانُهُمْ ذَهبٌ عـلـى دُرَرٍ                 وشرابُهُمْ دُرٌ علـى ذهَـبِ

في رَوْضَةٍ شَتْوِية رَضعَـتْ                دَرَ الحيا حَلَباً على حَـلَـب

واليومُ مَدْجُـونٌ فَـحُـرَتُـهُ                  فيهِ بمُطَّلَعٍ ومُـحْـتَـجـب

ظلت تسامرنا وقد بَـعَـثَـت                 ضوءاً يلاحِظنا بلا لَـهَـبِ

وكان كِسْرى أنو شروان مُسْتَهْتراً بالنرجس، وكان يقول: هو ياقوت أصفر، بين در أبيض، على زمرد أخضر، نقله بعض المحدثين فقال: الطويل:

وياقوتة صفراء في رأسِ دُرَة           مركَبة في قائمٍ مِن زَبَرْجَـدِ

كمثل بهي الدر عقد نظامهـا              نَثيرُ فِرندٍ قد أطاف بِعَسْجـدِ

كأن بقايا الطلِّ في جَنَباتِـهـا               بقيةُ دَمع فوق خَـدً مـورَدِ

رجع إلى ابن الرومي: الكامل:

فَضلُ القضـيةِ أن هـذا قـائد              زَهَر الربيع وأنَ هذا طـاردُ

شتانَ بين اثنين: هذا مُـوعـدٌ                        بتَصرُمِ الدنـيا، وهـذا وَاعـدُ

فإذا احتفظتَ به فأمتَعُ صاحبٍ           بحياته، لـو أن حـيا خـالِـدُ

ينهى النديمَ عن القبيح بلَحظِـهِ           وعلى المُدَامَةِ والسَماعِ يُسَاعِدُ

اطلب بعَقْلك في الملاح سَميه                        أبداً؛ فإنك لا مـحـالة واجِـد

والوردُ إن فتَّشت فردٌ في اسمه         ما في الملاَح له سمي واحـد

هذي النجوم هي التي ربَّينهـا                        بحَيَا السحابِ كما يربي الوالد

فانْظُرْ إلى الولدين، مَنْ أدناهما         شبَهاً بوالده فذاك الـمـاجـد

أين الخدود من العيون نفـاسةً          ورياسةً، لولا القياس الفاسد؟

وقد ناقضه جماعةَ من البغداديين وغيرهم في هذا المذهب، وذهبوا إلى تفضيل الوردِ؛ فما دانَوه وما استطاعوه.

قال أحمد بن يونس الكاتب راداً عليه: الكامل:

يا مَنْ يُشَبِّه نَرْجِسـاً بـنـواظـرٍ            دُعِجِ، تنبه إنَّ فـهـمَـك راقـد

إنّ القياسَ لمن يصـحُّ قـياسـهُ،          بين العيون وبينـه مـتَـبـاعـد

والوردُ أصدقُ للخـدودِ حـكـايةً          فعلامَ تَجحَد فَضلَه يا جـاحـد؟

مَلك قصير عُمْرُه مُسْـتَـأهِـل              تخلـيده، لـو أنّ حـياً خـالـد

إنْ قلت إنَّ الوردَ فَرد في اسمـه        ما في المِلاح له سمـيَّّ واحِـد

فالشمسُ تُفْرَدُ باسمها والمشتـرَي      والبدر يُشرَك في اسمه وعطَارِد

أو قلت إنّ كواكـبـا ربـينـهـا              بحَيَا السَحَابِ كما يُربِّي الـوالـد

قلنا أحقّهما بِطَبْع أبـيه فـي ال            جَدْوَى هو الزَّاكِي النجيبُ الرَّاشد

زُهْرُ النجومِ تَرُوقُنا بـضِـيائهـا            ولها منـافـعُ جـمة وعَـوَائِدُ

وكذلك الوَرْدُ الأنِـيقُ يَرُوقُـنَـا             وله فـضـائلُ جَـمَّةٌ وفَـوَائِدُ

وخليفه إن غاب ناب بنَـفْـعِـه             وبنفحـه أبـداً مـقـيم راكِـدُ

إنْ كنْتَ تُنكِرُ ما ذَكَرْنا بعـدمـا                        وضَحَت عليه دلائل وشَـواهِـدُ

انْظُرْ إلى المصْفَرِّ لوناً منهـمـا           وافطنْ فما يَصْفَرُ إلاّ الحـاسِـدَ

نبذ من النظم والنثر

في صفات النَّور والزهر

قال عليّ بن الجهم: البسيط:

لم يضحَك الوردُ إلا حين أعْـجَـبَـه       حُسنُ الرِّياضِ وصوت الطائرِ الغَرِدِ

بدا فأَبْدَتْ لنا الدنيا مـحـاسِـنَـهـا         وراحَتِ الرَّاحُ في أثوابها الـجُـدُدِ

وقابلَته يد المُـشـتَـاقِ تـسْـنِـدهُ           إلى الترائب والأحشـاءِ والْـكَـبـدِ

كأن فيه شفـاءً مـن صَـبَـابـتِـه           أو مانِعاً جَفْنَ عينيه مِنَ الـسُـهُـدِ

بين الندِيمين والخلَـين مَـصْـرَعُـه       وسَـيرُه مِـن يَدٍ مـوصـولةٍ بِـيَدِ

ما قابلت طَلعَة الرَّيحانِ طَلـعـتـه         إلا تبـينـتَ فـيه ذِلَّة الـحـسـدِ

قامَت بحجـتـه ريح مـعَـطَـرَة              تَشفي القلوبَ من الأوْصابِ والكَمَدِ

لا عـذبَ الـلَـه إلاّ مـن يعَـذِّبـه                        بمسِمع باردٍ أو صَـاحـبَ نـكِـدِّ

وكان أردشير بن بابك يصف الورد ويقول: هو درّ أبيض، وياقوتٌ أحمر، على كراسي زَبرجَد أخضر، توسطه شذورٌ من ذَهبٍ أصفر، له رِقة الخمر، ونفحات العِطر، أخذه محمد بن عبد اللّه بن طاهر فقال: البسيط:

كأنـهـن يواقـيتٌ يُطِـيفُ بـهـا              زُمُرُّد وسْطَه شَذرٌ مِنَ الـذَّهَـبِ

فَاشْرَبْ على مَنْظَرٍ مستظْرَفٍ حَسَن    من خَمْرَةٍ مَزة كالجَمْرِ في اللَّهَبِ

وقال يزيد المهلبي: أحَب المتوكل أن ينادمَه الحسين بن الضحاك، الخليع البصري، وأن يَرَى ما بَقيّ من ظَرْفِه وشهوته لما كان عليه، فأحضره وقد كبر وضعُفَ، فسقاه حتى سكر، وقال لخادمه شفيع: اسْقِه؛ فسقاه وحيّاه بوَردَة، وكانت على شفيع أثوابٌ، فمدّ الحسين يده إلى دِرْع شفيع، فقال المتوكل: أتخمش غُلاَمي بحضرتي؟ كيف لو خَلَوْتَ به! ما أحوجَكَ يا حسينُ إلى أدب! وكان المتوكل غمز شفيعاً على العبث به، فقال حسين: سيدي، أريد دواة وقرطاساً؛ فأمر له بهما، فكتب: الطويل:

وكالوردة البيضاء حَـيا بـأَحْـمَـرٍ         من الوَرْد يسعى قي قَرَاطِقَ كالوَرْدِ

له عَبَـثَـات عـنـد كـلِّ تـحـيةٍ               بِكفّيْهِ يستَدعي الخلِيَّ إلى الـوَجْـدِ

تمنّيت أنْ أُسْقى بـكـفّـيه شَـربةً          تذكرني ما قد نسيتُ من الـعَـهـدِ

سَقَى اللَّه عيشاً لم أنَمْ فـيه لـيلةً          من الدهر إلاَّ من حبيب على وَعْدِ

ثم دفع الرقعةَ إلى شفيع، وقال: ادْفَعْها إلى مولاك؛ فلمّا قرأها استملحها، وقال: لو كان شفيع ممن تَجُوز هِبَتُه لوهَبْتُه لك، ولكن بحياتي يا شفيع إلاّ كنت ساقيهُ بقيَّة يومه! وأمر له بمال كثير حمل معه لما انصرف.

قال يزيد المهلبي: فصرتُ إلى الحسين بعد انصرافه من عند المتوكل بأيام، فقلت: ويحك! أتدري ما صنعت؟ قال: لا أدَعُ عادتي بشيء، وقد قلت بعدك: مجزوء الخفيف:

لا رَأى عطفة الأحِبْ           بَةِ مَـنْ لا يصـرحُ

أصْغَرُ الساقـيَيْن أَش           كَلُ عِنْدي وأمْـلَـحُ

لو تراه كالظبـي يَسْ           نح طَـوْراً ويَبْـرَح

خِلْتَ غُصْناً على كثب          بٍ بـنَـوْرٍ يُوَشـحُ

قال الصولي: وكأن الأول من أبيات الحسن من قول العباس بن الأحنف: الكامل:

بيضاء في حُمْرِ الثيابِ كوَرْدَةٍ            بيضاء بين شقائقِ النعـمـانِ

تهتزُّ في غَيَدِ الشباب إذا مَشَتْ          مثل اهتزازِ نَوَاعِمِ الأغْصَانِ

قال أبو بكر الصولي: كان عند الخصي الوزير ظبي داجن ربيب في داره، فعمد إلى نيلوفر فأكله، فاستملح الغزال وأنسه، وقال: لو عمل في أُنْس هذا الغزال وفعله بالنيلوفر لاشتمل العمل على معنًى مليح! فبلغ الخبر أبا عبد الله إبراهيم ابن محمد بن عرفة نفطويه، فبادر لئلاّ يُسبق، وعمل أبياتاً أولها: الطويل:

جرَتْ ظَبْيَة غنَّاء تَرْعَى برَوْضَةٍ         تَنُوشُ لدَى أفْنَانِها ورَقاً خُضْرا

في أبيات غير طائلة، فاستبرد ما أتى، قال الصولي: فقلت: الطويل:

ونَيلُوفرٍ يحكي لنا المِسْـكَ طـيبُـهُ        تراه على اللذّاتِ أفْضَلَ مُـسْـعِـدِ

قد اجتَنَ خوفَ الحـادثـات بـجُـنَةٍ         تروقُ كثوبِ الراهب المـتـعـبِّـدِ

تُرَكَب كالكـاسَـاتِ فـي ذَهـبـيَّةٍ            على قُضُبٍ مخضرَّةِ كالزَّبَـرْجَـدِ

وأُلْبس ثوباً يفضُلُ اللَحْظَ حُـسْـنُـه        كما عبِثَـتْ عـينٌ بِـخَـد مـوَرَدِ

غَذتْهُ أهاضيبُ السـمـاء بـدَرِّهـا         تروحُ عليه كـلَّ يوم وتَـغْـتَـدي

تلبِّـس لـلأنْـوارِ ثـوْب سـمـائه            ففضَلَ عنه الحسن في كل مَشـهَـدِ

وفي وسطه منه اصـفـرارٌ يَزينُـه        كياقوتةٍ زرقاءَ في رَأسِ عَسْـجَـدِ

أطاف به أحْوَى المـدامـع شَـادِنٌ        حَكى طَرْف من أهْوى وحُسن المُقَلَّدِ

كما أخذ الظمآنُ بـالـفـم كـاسـه          ولم يستَعِنْ في أخذه الكاسَ بـالـيَدِ

وقال أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع: الكامل:

يومٌ أتاك بوَجْهِه الـمـتـهـلـل              ناهيك من يومٍ أغرَ مُـحـجـلِ

خلع الغمامُ على اخْضِرارِ سمـائهِ       خِلَعاً فَبَيْنَ مُمَسك ومُـصَـنْـدَلِ

وكسا الرُبى حُلَلا تخالَفَ شكلهـا         بموردٍ ومُعَصْفـر ومُـكَـحـل

وتمايلَتْ فيه قـدودُ غـصُـونِـهِ                        من شُرْبِ كاساتِ العيونِ الهطلِ

وعَلا على الأشجار قَطْرُ سمائهـا       فهدَتْ لعينِ الناظر المـتـأمـلِ

يَحْكي قِبَاب زُمُردٍ قد كُـلـلَـتْ              بمنظمٍ من لـؤلـؤ ومُـفَـصَّـلِ

وأتاك نَوْرُ البَـاقِـلاءِ كـأنـمـا              يَرْنو إليكَ بعين أكْحَـل أقْـبَـلِ

الوَرْدُ يُخجلُ كـل نـورٍ طـالـع              وتراه مُنتقِباً بحُمْرَةِ مُـخـجـلِ

وحكى بياضُ الطَّلْع في كافـورهِ         وجْهَ الخريدة في الخمارِ الصَّنْدَلي

فكأنما الدنيا عَـرُوسٌ أقْـبـلَـتْ                        في كل أنواع الملابس تجْتَـلـي

فاشرب مُعَصْفَرَة القميص سُلافةً       من صنعة البَردَان أو قُطْـرَبـلِ

وقال أبو الفتح البستي: الكامل:

يومٌ له فَضْلٌ عـلـى الأيام                  مزَجَ السَحابُ ضياءَهُ بظلامِ

فالْبَرقُ يخفق مِثْلَ قَلْبٍ هائمٍ              والْغَيمُ يَبْكي مثل طَرْفٍ هَامِ

وكأنَّ وَجْهَ الأرض خَدُ مـتـيمٍ             وُصِلت سِجَامُ دموعِه بسِـجَـامِ

فاطلبْ ليومك أربعاً: هن المُنَى          وبهـنَ تـصـفُـو لـذَّةُ الأيام

وَجْهَ الحبيب، ومنظراً مستشرقا،        ومغنيا غَـرداً، وكـأسَ مُـدامِ

وقال الأمير أبو الفضل الميكالي: الكامل:

سَلَّ الربيعُ على الشَتاء صوارماً        تَرَكَتْه مجروحاً بلا إغْـمَـادِ

وبكَتْ له عَيْنُ السماء بـأدمُـع           ضَحِكَتْ لسَاجمها رُبَى الأنجاد

وَبَدَتْ شقائِقُها خِلال رياضهـا            تُزْهى بثوبَيْ حُمْـرَةٍ وسَـوادِ

فكأنها بِنْتُ الشتاء تـوجَـعَـتْ              لمُصَابـه كـشـقـيقة الأولادِ

فقَنُوءُ حُفرَتها خِضَابُ نجيعـه وسوادُ كُسْوَتِها لِبَـاسُ حِـدادِ

وقال: الطويل:

تصوغُ لنا كفُّ الربيعِ حدائقا             كعقد عَتِيقٍ بين سِمْطِ لآلـي

وفيهن أنْوَار الشقائقِ قد حَكَت           خُدودَ عذارَى نقَطت بِغَوَالي

وقال: المتقارب

كأنَّ الشقائقَ إذ أبرَزَت                    غِلاَلة دادٍ وثَوبـاً أحَـمّ

قطاعٌ من الجَمرِ مشبوبة                 فأطرافُها لُمَع مِن حَمَم

وقال في حديقة ريحان: الكامل:

أعدَدْت مُحتَفلاً لـيوم فَـرَاغـي                        روضاً غَدا إنسانَ عَيْنِ الباغـي

روض يَرُوضُ هموم قلبي حُسنُهُ        فيه لكأس الأنـسِ أيّ مَـسَـاغِ

فإذ بدَتْ قضْبـانُ ريحـانٍ بـه              حيت بمثلِ سلاسـلِ الأصْـداغِ

وقال في النرجس: المجتث:

أهْلاً بنرجس رَوْضٍ            يُزْهَى بحسْنٍ وطِيبِ

يَرْنُو بعَينَـيْ غـزال              على قَضِيبٍ رَطيبِ

وفيه مَغنًى خـفـيّ               يرِينُه للـقـلـوبِ

تَصحِيفُه إنْ نَسَقْتَ ال          حُرُوفَ بِرُّ حَبِـيبِ

وقال: الطويل:

وما ضمَ شملَ الأُنس يوماً كنرْجِسٍ     يقومُ بعُذْرِ اللَهْوِ عن خالِع العُذْرِ

فأحداقه أحداق تِـبْـرٍ، وسـاقـهُ           كقامة ساقٍ في غَلاَئلهِ الخُضْـرِ

وقال البحتري: الطويل:

سَقَى الغيثُ أكنافَ اللِّوى من محـلّةٍ    إلى الحِقْف من رَمْل اللوى المتقاودِ

ولا زال مخضر من الروض يانـع       عليه بِمْحْمَرٍّ من الـنـوْرِ جـاسِـد

شقائق يَحمِلـن الـنـدَى فـكـأنـه           دموع التصابي في خدودِ الخـرائد

ومن لؤلؤ في الأقحـوان مـنَـظـمٍ         ومن نكَتٍ مُصْفَـرَة كـالـفَـرَائِدِ

كأن جَنَى الحوذان في رَونَق الضحى   دنانيرُ تِـبْـرٍ مـن تُـؤام وفـارِدِ

إذا راوحتها مُزنَةّ بَـكَـرَت لـهـا           شآبيبُ مجتاز علـيهـا وقـاصـدِ

رِباع تردَّت بـالـرياض مَـجُـوْدَةً          بكل جديد الماء عَـذْبِ الـمـوارد

كأن يد الفتح بن خاقـانَ أقـبـلـتْ         تَليها بتلك البـارقـات الـرَّواعِـد

قال أبو محمد عبد اللّه بن جعفر بن دَرَسْتَويه: قال لي البحتري وقد اجتمعنا على حلوة عند المبرد وسَلَكْنَا مسلكاً من المذاكرة: أشعرت أني سبقت الناسَ كلّهم إلى قولي: الطويل:

شقائقُ يحمِلْنَ النَّـدَى فـكـأنَّـهُ                        دموعُ التصابي في خُدودِ الخرائدِ

كأن يدَ الفَتْحِ بن خاقان أقبـلَـتْ          تليها بتلك البارقات الـرَّواعِـدِ

هكذا أنشد، فاستحسن ذلك المبرد استحساناً أسرف فيه، وقال: ما سمعت مثل هذه الألفاظ الرّطبة، والعبارة العَذْبة، لأحدٍ تقدَّمك ولا تأخَّر عنك. فاعتَرَتْهُ أَرْيَحِيةٌ جربها رِداء العُجب؛ فكأنه أعجبني ما يُعْجب الناس من مراجعة القول؛ فقلت: يا أبا عُبَادة، لم تَسْبِق إلى هذا، بل سبقك سعيد بن حميد الكاتب إلى البيت الأول بقوله: الكامل:

عَذُبَ الفراقُ لنا قُبَيل وَداعِنا             ثم اجترعناهُ كسمٍّ نـاقـعِ

وكأنما أثرُ الدموع بخدِّهـا    طَلّ تساقطَ فوق وَرْدٍ يانعِ

وشركك فيه صديقُنا أبو العباس الناشئ بما أنشدنيه آنفاً: المتقارب:

بكَت للفراق وقد راعَني       بكاءُ الحبيب لبُعْدِ الديارْ

كأنَّ الدموعَ على خدِّها       بقية طَلً على جُلَنـار

وما أساء علي بن جريج، بل أحسن في زيادته عليك بقوله: المنسرح:

لو كنتً يوم الوداع شاهِدَنـا              وهنَ يُطْفينَ غُلّةَ الـوَجْـدِ

لم تَـرَ إلاّ دمـوعَ بـاكـيةٍ                   تَسْفَح من مُقْلةٍ علـى خـدِّ

كأن تلك الدموع قَطْرُ نَـدًى               يقطُر من نَرْجِس على وَردِ

وسبقك أبو تمام إلى معنى البيتين معاً بقوله: الكامل:

من كل زاهرةٍ ترقرَق بـالـنَـدَى          فكـأنـهـا عـينٌ إلـيه تَـحَـدرُ

تبدو ويَحجبَها الجـمـيمُ كـأنـهـا           عَذراء تـبـدو تـارة وتـخـفـرُ

خَلقٌ أطل مـن الـربـيع كـأنـهُ             خُلُقُ الإمامِ وهَدْيُهُ المـتـنـشّـرُ

في الأرض من عَدْلِ الإمام وجُـودِهِ     ومن الربيع الغَض سَرح في يزهر

يُنسي الربـيع ومـا يروض جـودة       أبداً على مَـرَ الـلـيالـي يُذكَـر

قال: فشقَّ ذلك عليه، وحلِّ حَبْوَتَه ونهض، فكان آخر عهدي بمؤانسته وغَلُظ ذلك على محمد بن يزيد، وقدح ذلك في حالي عنده.

وقال البحتري يمدح الهيثم بن عثمان الغنوي: الطويل:

ألست ترى مَدَّ الـفُـراتِ كـأنـهُ                        جبال شَرَوْرَىَ جِئن في البحر عُوَما

وما ذاك من عـاداتـه غـير أنـهُ          رَأَى شِيمَةً من جارِه فتـعـلـمَـا

وقد نبه النَوْرُوزُ في غَبَش الدُّجـى      أوائلَ وَرْد كُنَ بـالأمـس نُـوَمَـا

يُفَتحهـا بَـرْدُ الـنـدى فـكـأنـهُ              يبث حديثاً بينـهـنَ مُـكَـتَّـمَـا

ومن شجرٍ رَدَّ الربـيع لِـبَـاسـهُ           عليه كما نَشَرْتَ بُرْداً مُنَمْـنَـمَـا

أحَلَّ فأَبدى لـلـعـيونِ بَـشَـاشَةً                        وكان قذًى للعين مذ كان محْرمَـا

فما يمنع الراح التي أنت خِـلُّـهـا         وما يَمْنَعُ الأوتار أن تـتـرنَّـمـاَ

وما زلت خِلاً للندَامى إذا اغْـتَـدَوا      وراحُوا بُدوراً يستحِثّون أنْـجُـمَـا

تكرّمْتَ مِنْ قَبْلِ الكؤوس علـيهِـمُ        فما اسْطَعْنَ أن يُحْدِثْنَ فيك تكرمـا

وقال آخر: البسيط:

حيَّتْك عنا شمال طافَ طـائِفُـهَـا          بجنَّةٍ فجـرتْ راحـاً ورَيْحَـانَـا

هبتْ سُحَيراً فناجَى الغُصْنُ صاحبَه     سِرًّا بها وتداعَى الطيرُ إعـلانـا

وُرْقٌ تَغنّى على خُضرٍ مُـهَـدَّلةٍ           تَسْمُو بها وتَمسُ الأرضَ أحيانـا

تخالُ طائرَها نَشوانَ مـن طَـرَبٍ         والغُصْنَ من هزِّةِ عِطْفَيْهِ نَشْوانَـا

ولابن المعتز في أرجوزته البستانية التي ذم فيها الصبّوح صفة جامعة، إذا قال رجز:

أمَا ترى البُسْتان كيف نَـوَّرا              ونَشَّر المنثور بُرْداً أصْفَـرا

وضحَكَ الوردَ إلى الشقـائق              واعتنَقَ الورد اعتناق الوامقِ

في رَوْضَةٍ كحلية العـروسِ               وخُدَم كهـامةِ الـطـاووسِ

وياسمين في ذُرَى الأغصـان                        منظم كقِطَـع الـعِـقْـيَانِ

والسرْو مثل قَصبِ الزَّبَرْجـد             قد استمد الماءَ من تُربٍ نَـدِ

علـى رياضٍ وثـرًى نَـدِيَ                 وجَدْوَلٍ كالبَـرَد الـحـلـيَ

وفَرَّج الخشْخَاش جَيْبْاً وفَتَـقْ             كأنَه مصاحِفٌ بيضُ الـوَرَقْ

أو مثل أقداح مِن الـبـلّـورِ                تخَالها تجسمـت مِـن نـورِ

وبَعْضه عُريانُ من أثـوابـه               قد خَجل اليابس من أصحابِه

تُبْصِره عند انتـشـار الـوردِ               مثل الدبابيس بأيدي الجـنـد

والسَّوْسَن الآزار مَنشور الحُلَل         كقطنٍ قد مسه بعض بَـلـل

نوَرَ في حاشيتي بُسَـتـانـه                 ودَخل الميدان في ضَمـانـه

وقد بدت فيه ثمار الكنـكـرِ                كأنها جَماجِم من عـنَـبـر

وحلَّق البـهـارُ بـيْنَ الآسِ                 جمجمَة كهامَةِ الشّـمَّـاسِ

خلال شيح مثل شيب النَّصفِ             وجوهرٍ مِن زهَرٍ مختَلـفِ

وجُلَنار كاحْـمِـرارِ الـوردِ                  أو مثل أعراف ديوك الهند

والأقحوان كالثنـايا الـغُـرِّ                 قد صُقَلَت أنواره بالقطـر

وقال أبو الفتح كشاجم: الوافر:

ورَوْضٍ عن صَنِيع الغيثِ رَاضٍ         كما رَضِيَ الصَّدِيقُ عن الصديقِ

إذا ما القَطْرُ أسْعَدَه صـبُـوحـاً                        أتمّ نه الصنيعةَ في الـغَـبـوق

يُعِير الرِّيحَ بالنَفَـحـاتِ رِيحـاً              كأنَّ ثَرَاه مِن مِـسـك فـتِـيقِ

كأنَّ الطَّلَّ مُنـتـشِـراً عـلـيه                بقايا الدَمع في خـدّ مَـشـوق

كأنَّ غصونَه سُقـيتْ رَحِـيقـا              فمالَت مِثْلً شُـرَّاب الـرَّحِـيق

كأنَّ شقائقَ الـنـعـمـانِ فـيه               مُحَضَرة شقَائقُ مِـن عَـقِـيق

يُذَكّرُني بَنَـفْـسَـجُـه بَـقَـايا                  صنيعِ اللَّطمِ في الخدَ الـرَقـيقِ

وقال: الرجز:

غَيْثٌ أتَانا مُؤْذِناً بالْخَـفْـضِ               متصِل الوَبلِ سَرِيعَ الرَكضِ

دَنا فخِـلْـنَـاه دُوَين الأرضِ                مُتَصِلاً بطوله والـعَـرْض

إلفاً إلى إلْف بِسِرٍّ يُفْـضِـي                ثم سَما كاللؤلؤ المـرْفَـضِ

فالأرضُ تُجْلَى بالنباتِ الغَضِّ                        في حَلْيِهَا المُحْمَرِّ والمبيَضَ

مِنْ سَوْسَنٍ أحوَى وورَد غَض           مِثْلَ الخدودِ نُقِّشَت بالعَـضِّ

وأقْحوانٍ كاللّجَيْنِ الْمَـحْـضِ              ونرَجِس ذاكي النسيمِ بـض

مثل العيون رَنَّقَتْ للغَمْـضِ               ترنُو فَيَغْشَاها الكَرَى فتُغضي

جملة من هذا النوع لأهل العصر

قال أبو فراس الحمداني: مجزوء الرجز أو مجزوء السريع:

وجُلَّنـارٍ مُـشْـرق                عَلَى أعالي شَجرهْ

كأنّ فـي رؤُوسِـه               أحمَرَهُ وأصـفَـرهْ

قُرَاضة من ذَهـب               في خرْقَةٍ مُعَصْفَرهْ

وقال: الطويل:

ويوم جلاَ فيه الربـيعُ رياضَـهُ            بأَنْواع حَلي فوق أثْوَابِه الْخُضْرِ

كأن ذُيولَ الجُلّـنـار مُـطِـلَةً                فضول ذيولِ الغانياتِ من الأُزْرِ

وقال أبو القاسم بن هانئ، يصف زهرة رمان قطفت قبل عَقْدِها: الرجز:

وبنت أيْكٍ كالشبـاب الـنَّـضْـرِ             كأنها بين الغصُونِ الـخُـضْـرِ

جَنانُ بـازٍ أو جَـنَـان صَـقْـرِ               قد خفَّـفَـتْـه لـقْـوة بـوَكْـر

كأنما سحَّـت دَمـاً مـنْ نَـحْـرِ              أو نَبَتَتْ في ترْبةٍ مـن جـمـرِ

أو سُقيَتْ بجَـذوَلٍ مـن خَـمْـر              لو كف عنها الدهرُ صرْفَ الدَّهْرِ

جاءت كمثل النَهد فوق الـصـدْرِ         تَفْتَرُّ عن مِثْلِ اللثاث الْـحُـمْـرِ

في مثل طعْمِ الوصْلِ بعد الهَجْرِ

ولهم في هذا المعنى

روضة رفَتْ حَوَاشيها، وتأنق واشيها. روضة كالعقود المنظّمة، على البرود المنَمنَمَة. روضة قد رَاضتها كف المطر، ودبجَتْهَا أيدي الندى. أخرجتِ الأرضُ أسرارَها، وأظهرَتْ يدُ الغيثِ آثارها، وأبدت الرياضُ أزهارها. الرياض كالعرائس في حَليها وزَخَارِفها، والقيان في وَشْيهِا ومَطَارِفها، باسطة زَرابتها وأنماطها، ناشرة حِبَراتها ورِيَاطَها، زَاهية بحَمْرَائها وصفرائها، تائهة بعيدانها وغُدْرانها، كأنما احتفلت لوَفْد، أو هي من حبيب على وَعْد. روضة قد تَضوَعَت بالأَرَج الطيبِ أرجاؤها، وتبًرجَت في ظلَلِ الغمام صحراؤها، وتنافَجَتْ بنوافَجِ المِسكِ أنوارُها، وتعارضت بغرائب النطْقِ أطيارُها. بستان رقَّ نورُه النضيد، وراق عودُه النضير. بستان عودُه خضر، ونوره نَضِر، ويُنْعه خَضِك، وماؤه خَصِر. بستْانٌ أرْضُه للبقل والريحان، وسماؤه للنخل والرمان. بستان أنهارُه مفروزة بالأزهار، وأشجارُه مُوقَرَةٌ بالثمار. أشجارٌ كأن الحورَ أعارَتْها قُدُودَها، وكسَتْها بُرودَها، وحلّتها عقودها. الربيعُ شبابُ الزمانِ، ومقدمة الورد والريحان. زمَنُ الوردِ مَرْموق، كأنه من الجنَةِ مسروق. قد ورد كتاب الورد، بإقباله إلى أهل الوُدّ، إذا وَرَدَ الوَرْد، صدَرَ البرد. مرحباً بإشراف الزهر، في أطراف الدهر، وأنشد: الطويل:

سقى اللَهُ وَرْداً صَار خَدَّ رَبِيعنا           فقد كان قبل اليوم ليس له خَدُ

كأن عَيْنَ النرجس عيْن، ووَرَقه وَرِق، النرجس نزهَة الطَرْف، وظَرْفُ الظَّرف، وغذاء الروح، شقائقُ كتيجان العقيق على رؤوسِ الزنوج، كأنها أصْداغُ المسك على الوجَنَاتِ المورّدة. شقائق كالزنوج تجارحت وسالت دِماؤُهَا، وضَعُفَت فسال دَماؤُها. كأن الشقيقَ جامٌ من عقيق أحمر، مُلِئَتْ قرارَتُه بمسك أذْفَر. الأرض زمردة، والأشجار وشْي، والماء سيوف، والطيور قيَمانٌ. قد غردت خطباءُ الأطيار، على منابر الأنوار والأزهار. إذا صدح الْحَمامُ، صدع الحِمام قَلْبَ المسْتَهام. انظر إلى طَرَبِ الأشجارِ لغِنَاءِ الأطيار. ليس للبلابِل كغناء البلابل، وَخَمْر بابل.

ولهم فيما يتعلّق بهذا النحو

في وصف أيام الربيع

يوم سماؤُه فَاختيّة، وأرضه طاوُسيّة. يومٌ جَلاَبِيبُ غيومِه رواق، وأردِيَة نسيمه رِقَاق. يوم مُمَسكُ السماء، مُعَصفَرُ الهواء، مُعَنْبَر الرَّوْضِ، مُصَنْدَل الماء. يوم زرَّ عليه جَيب الضَبَاب، وانسحب فيه ذَيلُ السحاب. يوم سماؤه كالخز الأَدْكَن، وأَرْضُه كالديباج الأَخْضَرِ: الخفيف:

شادنٌ يَرْتَعي القلـوب بـبـغـدا             دَ ولا يرْتَعي الكلا بالـنـبـاجِ

أقبَلت والربيعُ يختالُ فـي الـرَّوْ           ض وفي المزن ذِي الحيَا الثًجَّاجِ

ذو سماءً كأدْكَنِ الخزِّ قـد غـي          مَتْ وأرضٍ كأخْضَرِ الـديبـاجِ

فتجلَّى عن كـلّ مـا يتـمـنّـى               موعد الكَـدخـداةِ والـهـيلاجِ

فظللنا في نُزهَتين وفـي حُـسْ            نين بـين الأرْمَـالِ والأهْـزاج

بفَتَاةٍ تسرُّنا فـي الـمَـثَـانـي                وعَجُوزٍ تَسُرُّنا فـي الـزُجـاج

أخذَت مـن رؤوسِ قـومٍ كـرامٍ            ثارَها عنـد أَرْجُـل الأعـلاج

يوم حَسَن الشمائل، مُمتِع المخايل، سَجسَجُ الهواء، مونق الأرجاءِ. يوم تَبَسم عنه الربيعُ، وتبرَّجَ عنه الروض المريع. يوم كأنَّ سماءَه مأتم تتباكى، وأَرضه عَرُوس تتجلَّى. يوم مشهّر الأوْصاف، أغرّ الأطراف. يوم يُغْفِي فيه النَّوْر ويَنتبِه، وتُسفِر فيه الشمس وتَنْتَقِب، وتَعْتَنِقُ الغصون وتَفْترق، ويوشي الغيم وينسكب. يوم غاب نَحسُه وهَوَى، وطلع سَعدُه واعتلى، والزمان ساقطة جماره، مُفْعَمَةٌ أنهاره، مُونِقَة أشجارُه، مغرّدة أطيارُه. نحن في غبِّ سماءً، قد أقلعت بعد الارتِوَاء، وأقشعت عند الاستغناء، فالنبتُ خَضِلٌ ممطور، والنَّقعُ ساكن محصور. يوم جوُه طَاروِنيّ، وأَرْضه طاوسِيَ. يوم دَجْنُه عاكف، وقَطْرُهُ وَاكِف. يومٌ من أعياد العُمر، وأَعْيانِ الدَهْرِ.

ولهم في تشبيه محاسن الربيع بمحاسن الإخوان والسادة:

غَيْث مشبِّه بكَفِّك، واعتدالُه مُضَاهٍ لخُلقك، وزَهْرُه مُوازٍ لنَشرِك، كأنما استعار حلَله من شيمتك، وحَلْيَه من سجيَّتِك، واقتبس أنوارَه من محاسن أيامك، وأمطارَه من جُودك وإنعامِك. قدم الربيع مُنتسِباً إلى خلقك، مُكْتَسِياً محاسِنَه من طَبْعك، متوشّحاً بأنوار لَفْظِك، متوضَحاً بآثار لسانِك ويَدِك. أنا في بُستان أذْكَرَني وَرْدُه المفتح بخلقك، وجَذوَله السابح بطَبعك، وزَهرُه الجَنِيُ بقربك. أنا في بستان كأنَّه من شمائلك سرق، ومن خُلُقك خلِق، وقد قابلتني أشجارّ تَتَمايل فتذكرني تَبريح الأحباب، إذا تداولتهم أيدِيَ الشراب، وأنهار كأنَّها من يدك تَسيل، ومن راحتيك تَفِيض. أنا على حافةِ حَوض أزرق كصفاء مودَتي لك، ورِقَّة قولي في عَتَبِك.

وقال ابن عون الكاتب: الخفيف:

جاءنا الصومُ في الربيع فهَلا اخ        تار ربعا من سـائر الأربـاعِ

وكأن الربيعَ في الصوم عِـقـد            فوق نخر غطاه فَضل قـنـاَع

وكتب أبو الفتح كشاجم إلى بعض إخوانه يستدعيه إلى زيارته في يوم شك: مجزوء الكامل:

هو يوم شَـــك يا عـــل                     ي وبِشرة مـذ كـان يحـذَر

والـجـوُّ خَـلّـتـه مـمـس                     كة ومطرَفـه مـعـنـبـر

والمـاء فـضَـيّ الـقَـمِـي                   يص وطَيلَسانُ الأرضِ أخضر

نَبـتٌ يصَـعــد زَهـــرُة                      في الروضِ قَطرَ ندى تَحَـدَّر

ولـنـا فـضَـيلات تـكــو                      ن ليومنـا قـوتـاً مُـقَـدّر

ومـدامةٌ صــفـــراء أَد                     ركَ عُمرَها كِسْرَى وقيصـر

فانشَط لـنـا لِـنَـحـث مِـن                   كاسَاتِنـا مـا كـان أكـبَـرْ

أو لاَ فـإنـكَ جــاهـــلٌ                       إن قلت إنّك سـوف تـعْـذَر

وكتب بديع الزمان إلى بعض أهل هَمَذان: كتابي - أطال اللّه بقاك - عن شهر رمضان، عرَفنا اللَهُ بركةَ مَقْدَمِه، ويمْنَ مُختَتَمِه، وخصك بتقصير أيامِه، وإتمامِ صيامِه وقيامِه؛ فهو - وإن عَظمَتْ بركَتُه - ثقيلٌ حركته، وإن جل قَدْرُه بعيد قَعره، وإن عمت رأفته، طويل مسافته، وإن حسنت قّربته، شديد صحبتُه، وإن كبرت حرمته كثير حشمته. وإن سرّنا مُبْتداه فلن يسوءنا منتهاه فإن حَسن وجْهُه فليس يَقبَح قَفَاه، وما أحْسَنَه في القَذَال، وأشبَه إدبَارَه بالإقبال، جعل اللَهُ قدومَه سببَ ترْحاله، وبَدْرَه فِداءَ هلاله، وأمدَّ فَلكه تحريكاً، بتقضي مُدَّتِه وَشِيكاً، وأظْهَر هلالَه نحيفاً، ليزِفَ إلى اللذاتِ زفيفاً، وعفا اللَهُ عن مَزح يكرهه، ومُجونٍ يُسْخِطُه.

عوّل البديع في هذا الكلام على قول أبي الفضل بن العميد في رسالة له في مثل ذلك: أسأَل الله أن يعَرِّفَني بركته، ويلقيني الخيرَ في باقي أيامه وخاتمته؛ وأًرغب إليه في أن يقربَ على الفَلَكِ دوره، ويقصَره سَيرَه، ويخَفَف حَرَكته، ويعجل نَهضَته، ويَنقص مسافةَ فلكَه ودَائِرتِه، ويزيل بركةَ الطولِ عن ساعاته، ويردً عليّ غُرًةَ شوال، فهي أسنَى الغرَرِ عندي، وأقرُها لعَيني؛ ويطلِعَ بَدرَه، ويريني الأيدِي متطلبة هِلاله ببشر، ويسمعني النعيَ لشهر رمضان، ويعرض عليّ هلاله أَخفَى من السحرِ، وأَظلَم من الكُفر، وأَنحَف من مجنونِ بني عامر، وأَبلَى من أسير الهَجرِ، وأستغفر الله جل وجهه مما قلت إن كَرِهه، وأستَعفيه من توفيقي لما يذمُه، وأسأله صفحاً يُفِيضه، وعَفواً يوسِعه، إنه يعلم خَائِنَةَ الأعين وما تخفِي الصدور.

من أخبار المأمون والأمين

قال المأمون لطاهر بن الحسين: صِف لي أخلاقَ المخلوع. قال: كان واسَع الصدرِ، ضَيق الأدَب، يبيح من نفسه ما تَأنَفه هِمم الأحرار، ولا يُصْغِي إلى نصيحة، ولا يقبل مَشورة، يستبدُ برأيه، ويبَصَر سوءَ عاقبتِه، فلا يَردَعُه ذلك عما يَهمُ به. قال: فكيف كانت حروبُه؟ قال: كان يجمعُ الكتائب بالتبذير، ويفرَقُها بسوء التدبير. فقال المأمون: لذلك حلّ ما حل به؛ أمَا والله لو ذاق لذاتِ النصائح، واختار مَشُوراتِ الرجال، وملَك نَفسَه عن شهواتها، لما ظفرَ به.

ولما عقد الرشيدُ البيعةَ للأمين وهو أصغرُ من المأمون لأجل أمَه زُبَيْدة، وكلامِ أخيها عيسى بن جعفر، وقدمه على المأمون، جعل يرى فَضلَ عقله فيندَم على ذلك، فقال: الطويل:

لقد بان وجهُ الرَّأي لي غَيْرَ أنَّنـي       غُلِبْتُ على الأَمْرِ الذي كان أحزَما

فكيف يُرَدّ الدرَ في الضَرعِ بعدما        تَوزَع حتى صار نَهْباً مقَـسـمـا

أخافُ الْتِوَاءَ الأمرِ بعد اسـتـوائهِ                   وأنْ يُنْقَضَ الحبْلُ الذي كان أُبرِما

قال أسد بن يزيد بن مزيد: بعث إليَّ الفضلُ بن الربيع بعد مقتل عبد الرحمن الأنباري، قال: فأتيتُه وهو في صَحْن داره، وفي يده رُقْعة قد غضِب لما نظر فيها، وهو يقول: ينامُ نَوْمَ الظَّرِبَان، وينتبه انتباهَ الذئب، هِمَتُه بَطنُه، ولذته فَرْجُه، لا يفكر في زوال نعمة، ولا يتروى في إمضاء رأي ولا مكيدة، قد شمر له عبدُ اللَه عن ساقِه، وفوَّق له أسد سهامِه، يرميه على بعدِ الدار بالحَتفِ النافذ والموت القاصد، قد عبى له المنايا على متونِ الخيل، وناطَ له البَلاَءَ في أسِنة الرماح وشِفار السيوف، ثم تمثّل بشعر البَعيث: الطويل:

يقَارع أتراك ابن خاقانَ لـيلـه                        إلى أن يرى الإصبَاح لا يتلعثمَ

فيصبح في طول الطراد وجِسمه         نحيل، وأضحِي في النعيم أصمم

فشتان ما بيني وبين ابن خـالـد          أمية في الرزق الذي الله يقسم

ثم قال: يا أبا الحارث، أنا وأنت نجري إلى غاية إن قصرنا عنها ذمِمنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا، وإنما نحن شعبة من أصلِ، إن قَوِي قوينا، وإن ضَعُفَ ضعفنا؛ إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاءَ الأمة الوَكفَاء: يشاور النساء، ويعتمد على الرؤيا، وقد أمكَن أهل اللهو والخسَارة مِن سَمعِه؛ فهم يُمَنُّونه الظَّفَر، ويَعِدُونَه عواقب الأيام؛ والهلاك إليه أسرع من السيل إلى قِيعانِ الرملِ؛ وقد خشِيتُ أن نَهْلِكَ بهلاكه، ونعطَب بعَطَبِه، وأنت فارس العرب وابنَ فارسها، وقد فزع إليك في لقاءِ طاهر لأمرين؛ أحددهما صِدْقُ طاعتك، وفَضل نصيحتك؛ والثاني يُمْن نَقِيبتك، وشِدَة بأسك؛ وقد أمرني أن أبسطَ يدك، غير أن الاقتصاد رأس النصيحة، ومفتاح البركة؛ فبادِر ما تريد، وعَجل النهضة، فإني أرجو أن يولّيك اللَه شَرف هذا الفَتح، ويلم بك شَعثَ الخلافة.

فقلت له: أنا لطاعتك وطاعة أمير المؤمنين مقدِم، ولما وَهَن عدو كما مُؤثر؛ غير أن المحارِب لا يفتَتِح أمره بتقصير، وإنما مِلاَكُ أمرِه الجنود، والجنود لا تكون بلا مال، وقد رفع أمير المؤمنين الرغائبَ إلى قوم لم يجْدُوا عليه، ومتى سمت مَن أقدر به الانتفاع له بالرضا بدون ما أخذ غيرُه ممن لم يكن عنده غناء ولا مَعونة، لم ينتظم بذلك التدبير، وأحتاج لأصحابي رِزق سنة قَبضاً، وحملا إلى ألفِ فرس لحمل من لا أرتَضِي فرسه، وإلى مال أستظهر به، لا أُلاَم على وَضعِه حيث رَأَيت. فقال: شاوِر أمير المؤمنين؛ فأدخلني عليه، فلم تَدرْ بيني وبينه كلمتان حتى أمر بحبسِي.

ويروى أن الأمين لما أَعيَتْه مكايدُ طاهر قال: الوافر:

بُليت بأَشْجَعِ الثقلين نَفْـسـاً   تَزُول الراسياتُ وما يزولُ

له مع كل ذي بدن رقـيبٌ     يشاهده ويَعْلَمُ مـا يقـول

فليس بمغفِل أمراً عَـنَـاهُ      إذا ما الأمْرُ ضيًعَه الجهولُ

وفي الفضل بن الربيع يقول بعض الشعراء: البسيط:

كم مِن مقيمٍ ببغداد عـلـى طَـمَـعٍ         لولا رجاءَ أبي العـبـاس لـم يقـم

البدر إن نفروا، والبحر إن رَغِـبـوا     والحِصن إن رهبوا، والسيف ذو النقم

وقال عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع: ما مدحنا شاعر بشعر أحب إلينا من قول أبي نواس: الكامل:

ساد الملوكَ ثلاثة ما منـهـمُ              إن حصَلوا إلا أعز قـرِيع

ساد الربيع وسادَ فَضل بعـده                        وعلت بعبّاس الكريم فروع

عباس عباسٌ إذا احتدم الوَغَى          والفَضْل فضلٌ والربيع ربيع

وقيل للعتابي: أمدحت أحداً؟ قال: لا، وليس لي على ذلك قدرة، فقيل له: فقد مدحتَ الربيع، فقال: ذلك ليوم يستحقّ فيه المدح، فقلت: الطويل:

ومعضلةٍ قام الربيع إزاءَهـا             ليَعْمِد ركن الدين لما تَهدَّمـا

بمكَة والمنصور رهن كما أتى           أخا الوحي داعي رَبّه فتقدَمَا

غداةَ عداةُ الدين شاحذةُ المدى         إليه وغُولُ الحربِ فاغرةٌ فَمَا

مبايعة المهدي

وكان المنصور قد توفَي بمكة وهو حاجٌ في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، فأخذ الربيع للمهدي البيعة على الناس، وأخذ بتجديدها عن المنصور على أنه حي، وأدخل إليه قوماً فرأوْه من بعيد وقد جلّله بثوب، وأقعد إلى جنبه من يحرك يده وكأنه يومئ بها إليهم، فلم يشكوا في حياته؛ فما خالف أحد؛ فشكره المهدي لذلك، وفي ذلك يقول أبو نواس في مدحه الفضل بن الربيع: مجزوء الرجز:

أبوك جلى عَن مضَـر          يوم الرواقِ المحتضرْ

والحرب تَفرِي وتَـذَر           لمّا رأى الأمر اقمَطَر

قامَ كريما فانـتَـصـرْ                        كَهِزةِ العَضْب الذكَـرْ

ما مس من شيء هَبَر         وأنت تَقتـاف الأثـر

من ذي خجولٍ وغرر

وقال أيضاً: مجزوء الكامل:

آلَ الربـيع فَـضـلـتـم            فضل الخميس على العشرِ

من قاس غيركـم بـكـمْ         قاس الثًماد إلى البـحـور

أين القليل بنـو الـقـلـي         ل من الكثير بني الكَثـير

أين النـجـوم الـتـالـيا           ت من الأهلَةِ والـبـدورِ

قوم كَـفَـوا أيام مـــك           ة نازلَ الخَطبِ الكـبـير

وتدارَكُوا نَصـر الـخـلاَ         فة وهيَ شاسعه النّصـير

لولا مـقـامـهـم بـهـا            هوَتِ الرواسي من ثبِـيرِ

ومن قول أبي نواس: من قاصر غيركم بكم... البيت، أخذ أبو الطيب المتنبي: الطويل:

قواصِدَ كافورٍ تَـوارِكَ غـيرهِ  ومَن قَصَدَ البحرَ استقل السواقِيَا

فتَى ما سَرَينَا في ظهورِ خدودِنَا         إلى عَصْرِه إلا نُرَجِّي التَّلاقـيَا

أفضل الأوقات لمخاطبة الملوك

وقال الفضل بن الربيع: من كلَمَ الملوكَ في الحاجاتَ فيِ غير وَقتِ الكلام لم يَظفر بحاجته، وضاع كلامُه، وما أشبههم في ذلك إلا بأوقات الصلوات لا تُقبَل الصلاة إلاّ فيها، ومن أراد خطابَ الملوك في شيء فلْيَرْصد الوقت الذي يصلح في مثله ذِكرُ ما أراد، ويسبّب له شيئاً من الأحاديث يحسن ذِكْرُه بعَقِبه.

وقال المأمون للفضل بن الربيع لما ظَفِر به: يا فضل، أكان في حقي عليك، وحق آبائي ونعمهم عند أبيك وعندك، أن تَثلِبَني وتسبني، وتحَرَضَ على دمي؟ أتحب أن أفعل بك ما فعلتَه بي؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن عذرِي يحقِدك إذا كان واضحاً جميلاً، فكيف إذا حفَته العيوب، وقبَّحَته الذنوب؛ فلا يَضِيق عني من عَفوِك ما وسع غيري منك، فأنت كما قال الشاعر فيك: الطويل:

صفوح عن الأجرام حـتـى كـأنـه         من العافر لم يعرِف من الناس مجرِما

وليس يَبـالـي أن يكَـون بـه الأذَى       إذا ما الأذى لم يَغْش بالكُرهِ مُسلِـمَـا

والشعر للحسن بن رجاء بن أبي الضحاك.

من أخبار المنصور

قال سعيد بن مسلم بن قتيبة: دعا المنصور بالربيع، فقال: سلني ما ترِيد، فقد سكَتَ حتى نطقت، وخفّفت حتى ثقلت، وأقلَلتَ حتى أكْثَرْت.

فقال: والله - أمير المؤمنين ما أرهب بخلَكَ؛ ولا أَسْتَقصِر عُمرك، ولا أستصغر فضلك، ولا أَغتَنِم مالك؛ وإن يومي بفضلك عَلَيَ أحْسن من أمسي، وغَدك في تأميلي أحسن من يومي؛ ولو جاز أن يَشْكرَك مثلي بغير الخِدْمَةِ والمُنَاصَحَة لما سَبَقَني لذلك أحَد.

قال: صدقت، عِلمي بهذا منك أحَلَّكَ هذا المحلّ؛ فَسْلني ما شِئت، قال: أسألُك أن تقرِّب عبدك الفَضل، وتُؤثره وتحبّه.

قال: يا ربيع، إنَّ الحب ليس بمال يُوهَب، ولا رُتْبَة تُبْذَل، وإنما تؤكّدُه الأسباب.

فال: فاجعل لي طريقاً إليه، بالتفضل عليه.

قال: صدقت، وقد وصَلْتُه بألف ألف درهم، ولم أصل بها أحَداً غير عمومتي، لتعلم مَالَه عنديَ، فيكون منه ما يَسْتَدْعِي به محبتي، ثم قال: فبكيف سألت له المحبة يا ربيع؟ قال: لأنها مفتاحُ كل خير، ومِغْلاَق كلّ شرّ، تُسْتَر بها عندك عيوبُهُ، وتَصِير حَسناتٍ ذنوبه.

قال: صدقت وأتيت بما أردت في بابه.

أخذ قوله: خففت حتى ثقلت أبو تمام فقال لمحمد بن عبد الملك الزيات: الطويل:

على أن إفراطَ الحياء استمالني         إليكَ، ولم أعْدِل بعرضيَ مَعْدِلا

فثقّلت بالتخفيف عنك، وبعضهم          يخففُ في الحاجات حتى يُثَقِّلاَ

من أخبار الرشيد

ودخل سهل بن هارون على الرشيد، وهو يُضَاحِكُ المأمون، فقال: اللهمّ زِدْهُ من الخيرات، وابسُط له من البركاتِ، حتى يكونَ في كل يوم من أيامه مُرْبِيا على أمْسِه، مقَصَراً عن غده.

فقال له الرشيد: يا سَهْلُ، من رَوَى من الشعر أحسَنه وأرصنه، ومن الحديث أفصحَه وأوضَحه، إذا رام آن يقولَ لم يُعْجزه القول.

فقال سهل بن هارون: يا أمير المؤمنين، ما ظننت أن أحداً تقدّمني إلى هذا المعنى.

قال: بل أعْشى هَمْدَانَ حيث يقول: الوافر:

رأيتك أمْسِ خَيْرَ بني لؤيّ     وأنْتَ اليوم خيرٌ منك أمسِ

وأنْتَ غداً تزيد الخَيْرَ ضعْفاً  كذاك تزيد سادة عَبْدِ شمسِ

من نظم الفضل بن الربيع

ومن شعر الفضل بن الربيع ما أنشده الصولي: مجزوء الكامل:

إنّي امـرؤٌ مـن هـاشـمٍ         بفنَاءً معْمُور الـنَـوَاحِـي

أهل الهدى وذَوِي التـقَـى     وأولي البَسَالة والسَّـمـاحِ

أهل المعـالـم والـمـكـا         رِم في المَسَاء وفي الصَّبَاحِ

أهل الـنـبـوةِ والـخِـلاَ          فَة والكمالِ برَغْـم لاحِـي

يتألّـمُـون مـن الـصـدُو        دِ ويَصْبِرُون على الجِـرَاح

من أخبار أبي العيناء

حَمَلَ محمد بن عبيد الله بن خاقان أبا العيناء على دَابة زَعم أنها غَيْرُ فَارِه، فكتب إليه: أعلم الوزير، أعزه اللّه، أن أبا علي محمداً أراد أن يَبَرَنِي فعقني، وأن يُرْكِبني فأَرْجَلَني، أمر لي بدابَّة تَقِفُ للنَّبْرَة ، وتَعْثُر بالبَعْرَة، كالقضيب اليابس عَجَفاً؛ وكالعاشق المهجور دَنَفاً، قد أَذْكَرَتِ الرواة عذرة العذريِّ، والمجنون العامري، مساعد أعلاه لأسفله، حُباقه مقرون بسُعَاله، فلو أَمسَك لترجيت، ولو أَفْرد لتعزَّيْت، ولكنه يَجْمَعُهما في الطريق المعمور، والمَجْلِس المشهور، كأنه خطيبٌ مُرْشِد، أو شاعر مُنشِد، تَضْحَكُ من فِعْلِه النسوَان، وتتناغى من أجله الصِّبيان؛ فمن صائح يَصيحُ: دَاوِه بالطباشير، ومن قائل يقول: نوّلْه الشعير، قد حفِظَ الأشعار، ورَوَى الأخبار، ولحق العلماءَ في الأمْصار، فلو أعِينَ بنطق؛ لروى بحقّ وصدق، عن جابر الجُعْفيّ، وعامر الشّعبي؛ وإنما أتيت من كاتبه الأعور، الذي إذا اختار لنفسه أطاب وأكثر، وإن اختار لغيره أخْبَث وأنزر؛ فإن رأى الوزير أن يُبدلَني به، ويُرِيحني منه بمركوب يُضْحِكني كما ضحَّك مني، يَمْحُو بحُسْنه وفَرَاهته، ما سطَرَه العَيْبُ بقُبحه ودمامته؛ ولست أذكرُ أمْرَ سَرْجِهِ ولجامه؛ فإن الوزير أكرمُ من أن يَسْلب ما يهديه، أو يَنْقُضَ ما يُمْضِيه.

فوجّه عبيد اللّه إليه برذونا من براذينه بِسَرْجه ولجامه، ثم اجتمع مع محمد ابن عبيد الله عند أبيه، فقال عبيد الله: شكوت دابة محمد، وقد أخبرني الآن أنه يشتريه منك بمائة دينار، وما هذا ثمنه لا يُشتكى.

فقال: أعز الله الوزير، لو لم كذب مستزيداً، لم انصرف مستفيداً، وإني وإيّاه لكما قالت امرأة العزيز. "الآن حَصحَصَ الحق، أنَا رَاوَدْتُه عن نَفْسِهِ وإنه لَمِنَ الصادقين". فضحك عبيدُ الله، وقال: حجتك الداحضة بمَلاَحتك وظَرفك أبلغُ من حجة غيرك البالغة.

قطعة من رسالة أجاب بها أبو الخطاب الصابي عن أبي العباس بن سابور إلى الحسين بن صَبرة عن رقعة وردت منه في صفة حًمَل أهْدَاه

وصلت رُقْعَتك، فَفَضَضْتها عن خَط مُشْرق، ولفظ مُونق، وعبارةٍ مُصيبة، ومعاني غريبة، واتساع في البلاغة يَعْجِزُ عنه عبدُ الحميد في كتابته، وقُس وسَحْبَان في خطابته؛ وتصرف بين جد أمْضى من القَدر، وهَزْلٍ أرق من نسيم السحَر، وتقلب في وجوه الخِطاب، الجامع للصَّواب؛ إلاَ أن الفعل قَصًرَ عن القول، لأنك ذكرت حَملاً، جعلته بصفتك جَمَلاً، فكانَ المُعَيدِيَّ الذي تسمعُ به ولا أنْ تراه. وحضر فرأيت كَبْشاً مُتَقَادِمَ الميلاد، من نِتَاج قَوْمِ عاد، قد أَفْنتهُ الدهور، وتَعاقَبَتْ عليه العصور، فظننته أحَد الزَّوْجين اللذين جعلهما نوع في سفينته، وحفظَ بهما جِنْسَ الغنم لذرِّيته؛ صَغر عن الكبر، ولَطُف عن القدم، فبانَتْ دَمامتُه، وتقاصرت قَامَتُه، وعاد ناحلاً ضئيلاً، بالياً هزيلاً، باديَ السقام، عاري العِظام، جامعاً للمعايب، مشتملاً على المثَالِب، يَعْجَبُ العاقلُ من حلول الحياةِ به، وتأتي الحركةِ فيه؛ لأنه عَظْم مجلد، وصوف مُلبد، لا تجد فوق عظامه سلَبا، ولا تَلْقَى يدك منه إلا خَشَبا، لو ألقِيَ إلى السَّبع لأَباه، ولو طرح للذئب لعافَه وقَلاه، قد طال للكلإ فَقْدُه، وبَعُدَ بالمَرعَى عَهْدُه، لم ير الْقَت إلاَ نائماً، ولا عرف الشعيرَ إلا حالماً، وقد خيّرتني بين أن أَقْتَنيه فيكون فيه غِنَى الدهر، أو أَذبحه فيكون فيه خصْب الرَحل؛ فمِلتُ إلى استبقائه لما تعرف من محبتي من التوفير، ورغبتي للتَّثْمير، وجَمْعي للولد، وادٌخاري لغًد، فلم أجِد فيه مستمتعاً للبقاء، ولا مَدْفعاً للفناء؛ لأنه ليس بأنثى فتًحْمِل، ولا بفتى فَينْسُل، ولا بصحيح فَيرَعى، ولا بسليم فيَبْقَى؛ فملتُ إلى الثاني من رأييك، وعولت على الآخر من قَوْلَيك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطباً مقام قَديدِ الغَزال، فأنشدني وقد أضرِمت النار، وحُدت الشفار، وشمَّر الجزّار: البسيط:

أعيذهَا نظراتِ مِـنـك صـادِقَةً                        أنْ تحْسِب الشحم فيمَن شَحمُه وَرَمُ

وقال: ما الفائدة لك في ذبحي؟ وأنا لم يَبْقَ مني إلا نَفَس خافِتٌ، ومُقْلةِّ إنسانها باهت: لستُ بذي لَحْم، فأَصلح للأكل؛ لأن الدهرَ قد أكل لحمي، ولا جِلدي يصلح للدّباغ، لأن الأيام قد مزقَتْ أديمي، ولا لي صوف يصلُح للغزل؛ لأن الحوادث قد حَصَّت وبَرِي، فإن أردتني للوَقُود فكفُّ بعْرٍ أبقى من ناري، ولن تَفي حرارةُ جمري بريح قتاري، فلم يبق إلا أن تطلبني بذَحْل أو بيني وبينك دَم، فوجدته صادقاً في مقالته، ناصحاً في مَشُورته، ولم أعلم من أي أمْرَيه أعجب؛ أمِن مماطَلَته للدهر بالبقاء، أم من صبره على الضّرِّ واللأواء، أم من قدرتك عليه جمع إعواز مثله، أم من تأهيلك الصديق به مع خَسَاسة قَدْره؟ ويا ليت شعري إذ كنت - وإليك سوق الغنم، وأمْرك يَنْفُذ في الضأن والمَعز، وكلُّ كبش سمين وحَمل بطين مجلوب إليك، مقصورٌ عليك - تقول فيه قولاً فله تُرَدّ، وتريده فلا تُصد، وكانت هديتك هذا الذي كأنه نَاشر من القبور، أو قائم عند النفخ في الصور، فما كنتً مُهْدِياً لو أنك رجل من عُرْض الكُتَّاب، كأبي وأبي الخطّاب، ما كنت تهدي إلاَّ كلْباً أجرب، أو قرداً أحدَب.

من نظم الحمدوني

وقال الحمدوني في شاة سعيد بن أحمد بن خوسنداذ: الكامل:

أسعيدُ، قد أعطيتـنـي أُضـحـيةً           مكثَتْ زماناً عندكمْ ما تـطـعَـم

نِضْواً تعاقرت الكِلابُ بهـا وقـد          شدوا عليها كي تموت فيؤلـمُـوا

فإذا الملا ضَحِكوا بها قالت لهـم:       لا تهزؤوا بي وارحموني ترْحَموا

مرت على عَلَف فقامت لـم تَـرِمْ         عنه، وغنت والمدامعُ تـسـجـم

وقف الهوى بي حيث أنْتِ فليس لي     متـأخَّـر عـنـه ولا مُـتـقَـدم

وقال أيضاً: البسيط:

أبا سعيدٍ، لنا في شاتِكَ الـعِـبَـرُ           جاءت وما إن لها بَوْل ولا بَعَـرُ

وكيف تَبْعَرُ شاة عندكم مكَـثَـتْ           طَعامُها الأبيضانِ الشمسُ والقَمَر

لو أنها أبْصَرَتْ في نومها عَلَفـاً         غَنَت له ودموعُ العين تَنْحَـدرُ:

يا مَانعي لذةَ الدنيا بأجمـعـهـا                        إني ليفتنني من وَجْهِك النـظـرُ

وقال أيضاً: المنسرح:

شاةُ سعيدٍ في أمْرِها عِبَـرُ                لمّا أتتنا قد مسًها الضـررُ

وَهْيَ تغني من سوء حالتها              حَسْبي بما قد لقيت يا عمَرُ

مرت بقطف خضر ينشرها                قومٌ فظنَّتْ بأنها خُـضُـر

فأقبلَتْ نحوها لتأكْـلـهـا                    حتى إذا ما تبينَ الخَـبَـرُ

وأبدلتها الظنونُ من طَمَـعِ    يَأْسا تغنَّت والدَمْعُ مُنْحَـدِرُ

كانوا بعيداً وكنت آمُلُـهـم      حتى إذا ما تقربوا هجروا

وقال: مجزوء الخفيف:

لسـعـيدٍ شُـــوَيْهَةٌ               سَلها الضُّر والعَجَفْ

قد تغنَتْ وأبـصـرتْ             رجلاً حاملاً عَلَـفْ:

بأبي مَـنْ بـكَـفِّـه                بُرْءُ ما بي من الدَنَفْ

فأَتاهـا مـطـمِّـعـاً                وأتتْه لتَـعْـتَـلِـفْ

فتولَـى فـأقـبـلـتْ                تتغنى مـن الأسَـفْ:

ليتَه لـم يكـن وَقَـفْ             عذب القلب وانْصَرفْ

قال: وإذ قد جَرَتْ بعضُ تضمينات الحمدوني في هذا الموضع فأَنا أَذكر هنا قطعةً من شعره في الطيلسان، وأَنْعطف في غير هذا المرضع إليها وأكرٌ عليها؛ وكان أحمد بن حَرْب المهلّبي من المُنْعِمين عليه، والمحسنين إليه، وله فيه مدائح كثيرة، فوهب له طيلساناً أخْضَر لم يَرْضَه، قال أبو العباس المبرد: فأنشدنا فيه عشر مقطعات، فاستَحْلَينا مَذْهَبه فيها، فجعلها فوق الخمسين؛ فطارت كل مَطَار، وسارت كل مَسَار، فمنها: الخفيف:

يا ابْنَ حرب كَسَوْتَني طَيْلَساناً            مَلَّ من صُحبَة الزمان وصَدَا

فحسْبنا نَسْج العناكب قد حَـا              لَ إلى ضعف طَيْلَسانِك سدَا

طال تَرْدادُه إلى الرَفْوِ حتـى              لو بَعَثْنَاه وَحْـدَه لَـتَـهَـدَّى

وقال فيه أيضاً: البسيط:

يا طيلسانَ ابن حربٍ قد هَمَمْتَ بأنْ     تُودي بجسمي كما أَوْلَى بِكَ الزَّمَنُ

ما فيك مِنْ ملبس يغني ولا ثمـن        قد أوْهَنَت حيلتي أركانُكَ الوُهـنُ

فلو تَرَاني لَدَى الرَفَّاء مُرْتَبِـطـاً          كأنني في يَدَيْهِ الدهرَ مُرْتَـهـنُ

أقولُ حين رآني النـاسُ أَلْـزَمُـهُ          كأنما ليَ في حـانـوتـه وَطَـنُ

مَنْ كان يسأل عنّا أيْنَ منـزلُـنـا          فالأقحوانة مِنَا مـنْـزِلٌ قَـمِـنُ

وقال: مجزوء الكامل:

قل لابْنِ حَرْبٍ طـيلـسـا                     نُكَ قومُ نوع منـه أحْـدَثْ

أفْنَى الـقـرونَ ولـم يَزَلْ                    عمَنْ مضى من قبلُ يُورَثْ

وإذا العيونُ لَـحَـظْـنَـهَ                      فكأنه باللـحْـظِ يُحـرَثْ

يُودِي إذا لــم أرْفُـــهُ                       فإذا رَفَوْتُ فليس يَلـبَـثْ

كالكلبِ إن تَحْمِـل عـلـي                   ه الدَهْرَ أو تترُكْه يَلْهَـثْ

وقال: الكامل:

قل لابن حرب طيلسانُكَ قـد               أرْهَى قِوَايَ بكثرةِ الغُـرمِ

مُتبين فـيه لـمُـبـصِـرِه                     آثـارُ رَفْـوِ أوائل الأُمـم

وكأنه الخمرُ التي وصفَـتْ                في يا شقيق الروح مِن حَكَمِ

فإذا رَمَمْناه فـقـيل لـنـا:                   قد صَح، قال له البلى: انْهَدِم

مثل السّقيم بَرَا فـراجَـعـهُ                 نكس فأسلَمه إلـى سَـقَـم

أنشدت حين طَغى فأَعْجَزني              ومن العناء رِياضةُ الهـرم

الخمر التي وُصفت من قول أبي نواس: المديد:

يا شقيقَ النفسِ من حَـكَـمِ                 نِمْتَ عن لَيْلـى ولـم أَنـم

فاسْقني البِحرَ التي اعْتَجَرت             بِخِمار الشيْبِ فيْ الرَّحـمِ

ثُمَّتَ انْصَاتَ الشباب لـهـا                 بعد أن جازتْ مدى الهَرَمِ

فَهْي لليوم الـذي بُـزِلَـتْ                   وهي تِلْو الدَّهْر في القِـدَم

عُتِّقَتْ حتى لو اتّـصـلـتْ                   بسـلانٍ نـاطـق وفَــم

لاحْتبتْ في القوم مًـاثـلةَ                   ثم قصـتْ قِـصَةَ الأمَـمِ

فَرَعَتْها بالمزاج يَد             خُلِقت للكاس والقَلَمِ

وقال الحمدوني: الرمل:

طيلْسان لابن حرب جاءنـي               خلْعَةً في يوم نَحس مستمر

فإذا ما صِحْتُ فـيه صَـيْحَةً                تركته كهشيم المحـتـظـر

وإذا ما الريح هبتْ نـحـوهُ                طيَرَتْه كالجرادِ المنتـشِـرْ

مُهْطِعُ الدَاعي إلى الرّافي إذا                        ما رآه قال: ذا شيء نكـرْ

وإذا رفَـاؤه حـــاوَلَ أن                    يتلافاه تَعَاطـى فـعَـقَـرْ

وقال: المتقارب:

أيا طيلسانيَ أعْـيَيْتَ طـبّـي                أسُل بجسْمِـكَ أم داءُ حـبِّ؟

ويا ريحُ صَيرْتنـي أتـقـيكِ                  وقد كنتُ لا أتقي أن تَهبّـي

ومستخبرٍ خَبَر الطـيلـسـان                فقلت له الروح من أمْرِ ربي

وقال فيه: الرمل:

طَيْلَسانٌ لابن حربٍ جـاءنـي              قد قَضَى التمزيقُ منه وَطَرَهْ

أنا من خـوفٍ عـلـيه أبـداً                 سامِري ليس يَأْلُـوه حَـذَرَهْ

يا ابنَ حرب خذه أو فابعَث بما                       نشتري عِجْلاً بصفرٍ عشـرَهْ

فلعـل الـلـهَ يُحْـييه لـنـا                     إن ضربناه ببعض البَـقَـرَهْ

فهو قد أدرك نوحاً، فعـسـى              عنده من عِلم نوح خَـبَـرَهْ

أبـداً يَقْـرَأ مـن أَبـصَـرَهُ                    أإذا كنا عِظـامـاً نَـخِـرَه

وقال فيه: الخفيف:

يا ابنَ حرب أطَلتَ فَقرِي برَفـوي                    طيلساناً قد كنتُ عـنـه غَـنِـيّا

فَهوَ في الرفو آل فرْعَوْنَ في العَر                  ضِ على النار غُـدْرةً وعَـشِـيا

زُرْت فيه معاشـراً فـازدَرَونـي                       فتـغـنـيتُ إذا رأونــي زَرِيا:

جِئتُ في زِي سائل كـي أراكـم                        وعلى الباب قد وَقَـفْـتُ مَـلِـيِّا

وقال فيه: الوافر:

وهبتَ لنا ابنَ حربِ طَيْلسانـاً             يَزيدُ المرءَ ذا الضعَةِ اتِّضَاعَا

يُسَلمُ صاحبي فيعيد شَـتْـمِـي              لأن الروحَ يَكْسِبُه انصداعـا

أُجِيل الطَرْفَ في طَرَفَيْهِ طُولاً             وعَرضاً ما أَرى إلا رِقَاعـا

فلستُ أشكّ أَنْ قد كان قِـدْمـاً                        لنُوح في سفينتـه شِـرَاعـا

فقد غنَيتُ إذ أبصرْتُ مـنـهُ                جوانبه على بَدني تَـدَاعَـى:

قِفي قَبلَ التفَرُّقِ يا ضُبَـاعَـا               ولا يَكُ مَوقِف مِنكِ الوَداعَـا

من أخبار المأمون

دخل المأمون بعضَ الدواوين، فرأى غلاماً جميلاً على أذنه قلم، فقال: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا يا أمير المؤمنين الناشئُ في دولتك، المتقلب في نعمتك، المؤمل لخدمتك، خادِمكَ وابنُ خادمِك الحسنُ بن رجاء. فقال: أحسنت يا غلام، وبالإحسان في البديهة تَفَاضَلت العقُول. فأمر أن يرفع عن مرتبة الديوان.

قال أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج: قال لي أبو العباس المبرد: ما رأيتُ في أصحاب السلطان مثل إسماعيل والحسن؛ كنت إذا رأيته رأيت رجلاً كأنما خُلق لذروَة مِنُبر، أو صَدرٍ مجلس، يتكلم وكأنه يتنفس، يُسهِبُ ويُطْنِب، ويعرِبُ ويغرِب، ولا يعجب ويعجِب.

أراد القاضي إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد، والحسن ابن رجاء بن أبي الضحاك.

من أخبار المبرد

وكان أبو العباس يُعَد في البلغاء، وقال: لما دخلت على المتوكل اختار لي الفَتحُ بن خاقان وقْتَ شربه، وكافي الشراب قد أخذ منه، فسألني وقال: يا بصري، أرأيت أحسنَ وجهاً مني؟ فقلت: لا والله ولا أسْمَح راحةَ، ثم تجاسرت فقلت: الوافر:

جَهَرْتُ بحَلْفَة لا أتَّـقـيهـا                   بشكٍ في اليمين ولا ارتـياب

بأنك أحسنُ الخلفاء وَجْـهـاً               وأَسْمَحُ راحتين، ولا أحابـي

وأنَ مُطِيعك الأعلى مَـحَـلاَ                ومَنْ عاصاك يهوى في تبَابِ

فقال: أحسنت وأجملت في حُسن طبعك وبديهتك، فقلت: ما ظننتُني أبلغُ هذا الشرف، ولا أنال هذه الرتبة؛ فلا زال أميرُ المؤمنين يسمو بخَدمه إلى أعْلى المراتب، ويُصَرفهم في المذاهب.

وكان ابنُ المعتز قد غضبَ على بعض وكلائه، فصار إلى أبي العباس المبرد يسأله أن يكلمه له؛ فكتب إليه المبرد: أَنْتَ والله كما قال مسلم بن الوليد في جدك الرشيد: الكامل:

بأبي وأُمي أنْـتَ مـا أنْـدَى يَداً                        وأبر ميثاقـاً، ومـا أَزْكـاكـا

يَغْدُو عدوُك خائفـاً، فـإذا رأى                        أن قد قدرت على العِقَاب رَجَاكا

وهذا معنًى كثير.

في المدح

أنشد أحمد بن يحيى ثعلب الأعرابي: الطويل:

كريم يغض الطرْفَ فَضلَ حَيائه          ويدْنُو وأطرافُ الرماحِ دَوَاني

وكالسيفِ إن لم يَنْته لاَنَ متْنـه          وحَدَّاه إنْ خاشَنتهُ خَـشِـنَـان

وهذا يناسب قول ابن المعتز في بعض جهاته:

وَيجْرَحُ أحشائي بعَيْنٍ مـريضة           كما لان مَتن السيفِ والحدُّ قاطِعُ

وقال الأخطل في بني مروان: البسيط:

صُمٌ عن الجَهل، عن قيل الخنا أنف     إذا ألمَّتْ بهم مكروهة صَـبَـرُوا

شُمْسُ العداوةِ حتى يُسْتَقَادَ لـهـمْ        وأعْظَمُ الناسِ أحلاماً إذا قَـدَرُوا

وفال إبراهيم بن عليّ بن هَرْمَة يمدح أبا جعفر المنصور: الطويل:

كريم له وَجْهَان، وَجْهٌ لدى الرضا      طليقٌ، وَوَجْهٌ في الكريهة باسِـل

وليس بمُعْطي الحقّ من غَيْرِ قدرَةٍ      ويَعْفو إذا ما أمْكَنتهُ المَـقَـاتِـلُ

له لحظات من حِفافـي سـريره           إذا كرَها فيها عِـقَـاب ونَـائِلُ

فأمّ الذي أمـنْـتَ آمِـنَةُ الـرَدى                        وأم الذي حاولت بالثكْل ثَـاكِـلُ

وقال الطائي في أبي سعيد محمد بن يوسف: الطويل:

هو السيلُ إن واجَهْتَه انْقَدْتَ طَوْعَهُ                 وتقتادُهُ من جَانِـبَـيْهِ فـيتـبـعُ

وكان عصابة الجرجاني، واسمه إسماعيل بن محمد، منقطعاً إلى الحسن بن رجاء متصلاً به، وهو القائل فيه: الكامل:

ومحجَّبٍ بالنور ليس بمدرَكٍ              إلا بما تَأتِي بـه الأنْـبَـاءُ

ملك يُحِب الله فهو يحِـبُّـهُ                  ويُطيعُه فتطيعُـه الأشْـيَاءُ

يمشي الهُوَيْنَا للصلاةِ يُقِيمُها             وإذا مشى للحَرْب فالُخَيلاءُ

لله درك أيما ابـنِ عـزيمةٍ                 يشوي الزمان وما لَهُ إشْوَاءُ

ثم عتب عليه في بَغضِ الأمر، فهجاه هجاءً قبيحاً؛ فهرب إلى عمان، ثم اعتذر إليه بقصيدته التي أولها: الكامل:

لا تخضبَن عَوَالي المُرانِ                 إلا من العَلَق النجِيع الآنِ

وهي أجود شعر قيل في معناه، وهي التي يقول فيها:

اِقْرِ السلام على الأمير، وقل له:        إنّ المنادمةَ الرضاعُ الثَّـانـي

ما إنْ أتى حَشَمِي بأنك سَاخـط           حتى استخف بمَوضِعي غِلمَاني

وغَدت علي مطاعمي ومَشَاربي         وملابسي من أعوَنِ الأعْـوَانِ

فكتب إليه الحسن: الكامل:

أبْلغْ أبا إسحاقَ أنّ محلّـه                 مني بحيث الرأسُ والعينانِ

لا تبعدن بك الديارُ لِنَـزْغةٍ                ولتبْعِدَنَ نَوازغَ الشيطـانِ

فَلْيَفرخ الرَّوْع الذي رُوِّعْتَه              إن المحل محلُّ كلِّ أمـانِ

بين جميل وعمر بن أبي ربيعة

اجتمع جميل بن معمر العذري بعُمَر بن أبي ربيعة المخزومي، فأنشده جميل قصيدته التي أولها: الطويل:

لَقَدْ فَرِحَ الوَاشُونَ أنْ صَرَمَتْ حَبْلي    بُثَيْنَةُ أو أبْدَتْ لنا جانِبَ البُـخْـل

يَقُولونَ: مَهْلاً يا جمـيلُ، وإنَّـنـي         لأُقْسِم ما لي عن بُثَيْنَة مِنْ مَـهْـلِ

خَلِيليَّ فيما عِشْتُما هَـلْ رأيتُـمـا          قَتيلاً بَكَى مِنْ حُب قَاتِلِهِ قَبْـلـي؟

نقله أبو العتاهية، فقال: السريع:

يا مَنْ رأى قـبـلـي قـتـيلاً                  بكى من شِدَة الوَجْدِ على القاتلِ

فلمّا أتمها قال لعمر: يا أبا الخطاب، هل قلت في هذا الرويّ شيئاً؟ قال: نعم، ثم أنشده: الطويل:

جرى ناصح بالودَ بيني وبينـهـا                      فعرضني يومَ الحِصَابِ إلى قتلي

فما أنْسَ م الأْشياء لا أنْسَ قولَهـا                   ومَوْقِفها يوماً بقارِعة الـنـخـل

فلمّا تواقَفْنَا عَرَفْتُ الـذي بـهـا                       كمثل الذي بي حَذوَك النَّعْلَ بالنعلِ

فسلَمْتُ واستأنستُ خِـيفَة أنْ يَرَى                   عدو مكاني أو يرى حاسد فِعلـي

وأقبلَ أمثالُ الدُمى يكتنِـفْـنَـهـا            وكل يُفدي بـالـمـودَةِ والأهـل

فقالت وأرْخَتْ جانب الستْرِ: إنمـا        معي فتكلم غَيْرَ ذِي رِقْبَة أهلـي

فقلتُ لها: ما بي لهم من ترقُـبٍ          ولكنّ سرِّي ليس يحمِلُه مِثْـلـي

فاستخذى، جميل وصاح: هذا والله الذي طلبَت الشعراء فأخطأته، فتعلَلُوا بوصف الديار، ونعت الأطلال.

ولما مات عمر بن أبي ربيعة نُعي لامرأة من مولدات مكة، وكانت بالشام، فبكت وقالت: مَنْ لأباطح مكة؟ ومن يَمْدحُ نساءَها، ويصفُ محاسنهن، ويبكي طاعتهن؟! فقيل لها: قد نشأ فتًى من ولد عثمان بن عفان على طريقته، فقالت: أنشدوني له، فأنشدوها: الطويل:

وقد أرسلَت في السر لَيْلَى بأَنْ أقِم      ولا تَقْرَبَنَا فالتجـنُّـبُ أجْـمَـلُ

لعلّ العيون الرامقات لوَصْلِـنـا           تكذب عَنَّا أو تَنَامُ فـتـغـفـلُ

أُناس أمنّاهمْ فبـثّـوا حَـديثـنـا             فلما كتَمنَا السرَّ عنهمْ تقـوَلُـوا

فما حفظوا العَهْدَ الذي كان بيننـا        ولا حين هَمُوا بالقطيعة أَجْمَلُـوا

فتسلَّت وقالت: هذا أجل عِوَضٍ، وأفضل خَلَف، فالحمدُ لله الذي خلف على حرمه وأمته مثل هذا.

وقال عروة بن أذينة: أنشدت ابن أبي عتيق للعَرْجي: الطويل:

فما ليلةٌ عـنـدي وإنْ قـيلَ لَـيلةٌ          ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفِطـر

بعادلةِ الاثنين، عندي وبـالـحَـرَا         يكونُ سواء مثلها لـيلة الـقَـدر

وما أَنْسَ م الأَشياء لا أنس قولَهـا      لجارتها: قُومِي سَلِي لي عن الوِتْرِ

فجاءت تقول الناس في ست عشرة     ولا تَعْجَلي عنه فإنك فـي أجْـرِ

فقال ابن أبي عتيق: هذه أفْقَه من ابنِ أبي شهاب؛ أشهدكم أنها حرَة من مالي إن أجاز أهلها ذلك.

والعَرْجِيُ هو عبد الله بن عمرَ بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكان ينزل بعَرْج الطائف فنسِب إليه، وهو القائل: المنسرح:

هل في ادكاري الحبيبَ مِنْ حَرَجِ        أمْ هل لِهَم الفـؤادِ مـن فَـرجٍ

أمْ كيف أنْسَى مسيرنـا حـرمـا            يوْم حَلَلْنا بالنَّـخْـل مِـنْ أمَـج

يوم يقولُ الرسـولُ قـد أذنـت             فأْتِ على غـير رِقْـبةٍ فَـلِـج

أقْبَلْتُ أهْوي إلـى رِحـالِـهـمُ               أُهْدَى إليها بـريحـهـا الأَرجِ

وكان محمد بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم والياً على مكة - وهو خال هشام بن عبد الملك - بلغه أن العرجيِّ هجاه، فضربه ضرباً مبرحاً، وأقامه على أعين الناس، فجعل يقول: الوافر:

سيغضب لي الخليفة بعد رقّي                        ويَسْأل أهل مكةَ عن مَساقـي

علي عباءَةٌ بَـرْقـاء لـيسـت               من البَلْوى تُجَاوزُ نِصْفَ ساقي

وتَغْضَب لي بأُسْرَتِها قُـصَـيٌ              ولاةُ الشعبِ والطُرُقِ العماقِ

فحلف محمد بن هشام ألا يخرجه ما دامت له ولاية؛ فأقام في السجن سبع سنين حتى مات، وهو القائل في سجنه: الوافر:

أضاعوني وأي فتًى أضاعـوا ليوم كريهة وسِـدَادِ ثَـغْـرِ

وخَلَوني ومعترك الـمـنـايا                وقد شُرِعتْ أسنَتهم لنَحْـرِي

كأني لم أكن فيهـم وَسِـيطـاً               ولم تك نسبتي في آل عَمْـرو

أُجَرَرُ في الْجَوامِـع كـل يوم               ألاَ لله مَظْلِمَتي وهَـصْـرِي

عسى المِلكُ المجيبُ لمن دعاهُ          سيُنْجِيني فيعلم كَيْف شُكْـرِي

فَأَنجزِي بالكرامة أهْـلَ وُدي              وأنجزِي بالضغائن أفلَ ضُرَي

جملة من الفصول القصار لابن المعتز

البشر دال على السخاء كما يدلُ النَور على الثمر. إذا اضطررت إلى الكذاب فلا تصدقه، ولا تُعلِمْه أنك تكذبُه، فينتقل عن وُدهِ، ولا ينتقل عن طَبْعِه. كما أن الشمس لا يَخْفَى ضوءُها وإن كانت تحت السحاب كذلك الصبيُ لا تخفى غريزة عَقْلِه وإن كان مغموراً بأَخْلاَقِ الحداثة. كَرَمُ الله، عزّ وجل، لا يَنْقُضُ حِكمته، ولذلك لا يجعل الإجابة في كل دعوة. كما أن جلاءَ السيف أهوَنُ من صُنْعه، كذلك استصلاح الصديق أهونُ من اكتساب غَيْرِه. إذا استرجع الله مواهبَ الدنيا كانت مواهب الآَخرة. لولا ظلمةُ الخطا ما أشرق نورُ الصواب. الحوادث المُمِضة مُكْسِبةٌ لحظوظ جزيلة؛ من صوابٍ مدَّخر، وتطهيرٍ من ذَنْبٍ، وتَنبيه من غَفْلة، وتعريفٍ بقَدْرِ النعمة، ومُرُوان على مُقَارَعَةِ الدهر. ومثل هذا الفصل محفوظ عن ذي الرياستين، قاله بعقب عِلَّةٍ فأغار عليه ابن المعتز.

وكتب إلى أحمد بن محمد جواباً عن كتاب استزاده فيه،: قَيِّدْ نِعْمَتي عندك بما كنت استَدْعيتها به، وذُلت عنها أسْبَاب سوءَ الظن، واسْتَدِمْ ما تُحبُ مني بما أُحِب منك.

Share/Save/Bookmark
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy

مقالات ادبية

Read Detailsفي رحاب الحلّاج (8): في البدء كان العشق
مادونا عسكر
Read Detailsشخصيات تحلم بالتحرر من ماضيها فتختنق بحاضرها
فراس حج محمد
Read Details"الأمير" واسيني الأعرج بالدار البيضاء
متابعة :هشام ايت علا موسى- محمد ايت اعزي- أسماء ايت زيدان
Read Detailsجارة البحر جسر الزرقاء تنهض من سباتها ..!
شاكر فريد حسن
Read Detailsالاعتراف بالأخطاء وحلقة التحسين في الجودة الشاملة
م.مهند النابلسي
Read Detailsتقنيات الجودة الشاملة : التوجه للنتائج ام التوجه للأساليب ؟
م.مهند النابلسي
Read Detailsالنضح الاجتماعي
احمد عبد الكاظم شلاكة
Read Detailsالأنثي والألوان ,,, وألوان من تعاسة المرأة
فاطمة الزهراء فلا‎
Read Detailsدور أدوات الجودة بتحقيق نتائج عملية
م.مهند النابلسي
Read Detailsخطوات الادراك وعناصره
الدكتور مهند العزاوي
Read Detailsفي ضيافة ياسمينة خضرة
د. تارا ابراهيم
Read Detailsحول رواية "مدائن الأرجوان" للروائي السوري نبيل سليمان .. الآيات القرآنية الواردة في الرواية ومشكلة الضبط
فراس حج محمد
Read Details24 - التجديد في الشعر الأموي ثانية من عصر صدر الإسلام حتى بدايات العصر العباسي الأول - القسم الثاني -
كريم مرزة الاسدي
Read Detailsصورة وتعليق ..ايات الله تتراءى في عجائب خلقه
نايف عبوش
Read Detailsعتبات الشوق لشعيب حليفي
متابعات
Read Details« على ما يبدو » (نصوص قصصية).. جديد محمد الهجابي
محمد الهجابي

كتّاب عراقيون من أجل الحرية